وَبِهَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ يَبْطُلُ حَمْلُهُ عَلَى هَارُونَ، مَعَ أَنَّ هَارُونَ تُوُفِّيَ قَبْلَ مُوسَى، وَنَبَّأَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَعَ مُوسَى فِي حَيَاتِهِ، وَيَبْطَلُ ذَلِكَ مِنْ وَجْهٍ رَابِعٍ أَيْضًا وَهُوَ: أَنَّ فِي هَذِهِ الْبِشَارَةِ أَنَّهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ كِتَابًا يَظْهَرُ لِلنَّاسِ مِنْ فِيهِ، وَهَذَا لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ بَعْدَ مُوسَى غَيْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهَذَا مِنْ عَلَامَاتِ نُبُوَّتِهِ الَّتِي أَخْبَرَ بِهَا الْأَنْبِيَاءُ الْمُتَقَدِّمُونَ، قَالَ تَعَالَى: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ} .
فَالْقُرْآنُ نَزَلَ عَلَى قَلْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَظَهَرَ لِلْأُمَّةِ مِنْ فِيهِ، وَلَا تَصِحُّ هَذِهِ الْبِشَارَةُ عَلَى الْمَسِيحِ بِاتِّفَاقِ النَّصَارَى، لِأَنَّهَا إِنَّمَا جَاءَتْ بِوَاحِدٍ مِنْ إِخْوَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَبَنُو إِسْرَائِيلَ وَإِخْوَتُهُمْ كُلُّهُمْ عَبِيدٌ لِلَّهِ، لَيْسَ فِيهِمْ إِلَهٌ، وَالْمَسِيحُ عِنْدَهُمْ إِلَهٌ مَعْبُودٌ، وَهُوَ أَجَلُّ عِنْدِهِمْ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ إِخْوَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الْعَبِيدِ، وَالْبِشَارَةُ وَقَعَتْ بِعَبْدٍ مَخْلُوقٍ
يُقِيمُهُ اللَّهُ مِنْ جُمْلَةِ عِبَادِهِ وَإِخْوَتِهِمْ، وَغَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا لَا غَايَةَ لَهُ فَوْقَهَا، وَهَذَا لَيْسَ هُوَ الْمَسِيحُ عِنْدَ النَّصَارَى. وَأَمَّا مَقَالَتُهُمْ أَنَّهُ عَلَى حَذْفِ أَلِفِ الِاسْتِفْهَامِ، وَهُوَ اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ، وَالْمَعْنَى (أَأُقِيمَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ نَبِيًّا مِثْلَكَ) - عَادَةٌ لَهُمْ مَعْرُوفَةٌ فِي تَحْرِيفِ كَلَامِ اللَّهِ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَالْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ، وَقَوْلُهُمْ لِمَا يُبَدِّلُونَهُ وَيُحَرِّفُونَهُ: هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.
وَحَمْلُ هَذَا الْكَلَامُ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ وَالْإِنْكَارِ غَايَةُ مَا يَكُونُ مِنَ التَّحْرِيفِ وَالتَّبْدِيلِ.