وَهَذِهِ الْأُمُورُ إِنَّمَا ارْتَكَبُوهَا لِأَغْرَاضٍ لَهُمْ دَعَتْهُمْ إِلَى ذَلِكَ. فَإِذَا عَادَوُا الرَّسُولَ وَجَحَدُوا نُبُوَّتَهُ وَكَذَّبُوهُ وَقَاتَلُوهُ، فَهُمْ إِلَى أَنْ يَجْحَدُوا نَعْتَهُ وَصِفَتَهُ، وَيَكْتُمُوا ذَلِكَ وَيُزِيلُوهُ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَتَأَوَّلُوهُ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ - أَقْرَبُ بِكَثِيرٍ، وَهَكَذَا فَعَلُوا، وَلَكِنْ لِكَثْرَةِ الْبِشَارَاتِ
وَتَنَوُّعِهَا غُلِبُوا عَلَى كِتْمَانِهَا وَإِفْضَائِهَا فَصَارُوا إِلَى تَحْرِيفِ التَّأْوِيلِ وَإِزَالَةِ مَعْنَاهَا عَمَّا لَا تَصْلُحُ لِغَيْرِهِ، وَجَعْلِهَا لِمَعْدُومٍ لَمْ يَخْلُقْهُ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا وُجُودَ لَهُ أَلْبَتَّةَ.
الْعَاشِرُ: أَنَّهُ اسْتَشْهَدَ عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ بِعُلَمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَقَدْ شَهِدَ لَهُ عُدُولُهُمْ فَلَا يَقْدَحُ جَحْدُ الْكَفَرَةِ الْكَاذِبِينَ الْمُعَانِدِينَ بَعْدَ ذَلِكَ، قَالَ تَعَالَى: {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} .
وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} .
وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} .
وَقَالَ تَعَالَى: {ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} .