وقوله سبحانه: {يَأْمُرُهُم بالمعروف ... } الآية: يحتملُ أن يكون ابتداء كلامٍ وُصِفَ به النبيُّ صلى الله عليه وسلم، ويحتملُ أن يكون متعلِّقاً ب"يجدونه"في موضع الحال على تجوُّزٍ، أي: يجدونه في التوراةِ آمراً؛ بشرط وجوده، والمعروف: ما عُرِفَ بالشرع، وكلُّ معروف من جهة المروءة، فهو معروفٌ بالشرع، فقد قال صلى الله عليه وسلم:"بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَحَاسِنَ الأَخْلاَقِ"و {المنكر} : مقابله، وَ {الطيبات} ؛ عند مالك: هي المحلَّلات، و {الخبائث} هي المحرَّمات، وكذلك قال ابن عباس، والإِصْرُ الثَّقْل، وبه فَسَّرَ هنا قتادةُ وغيره، والإِصْر أيضاً: العَهْد، وبه فسر ابنُ عباس وغيره، وقد جَمَعَتْ هذه الآيةُ المعنيين؛ فإِن بني إِسرائيل قد كان أخذ عليهم العَهْدُ بأن يقوموا بأعمال ثقال، فَوَضَعَ عنهم نبيُّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، وقال ابن جُبيْر: الإِصْر: شدَّة العبادة، وقرأ ابن عامر:"آصارَهُمْ"بالجمع فمَنْ وحَّد"الإصر"؛ فإنما هو اسمُ جنْس عِنده، يراد به الجمعُ، {والأغلال التي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} عبارةٌ مستعارَةٌ أيضاً لتلك الأثقال، كَقَطْعِ الجِلْدِ من أثر البَوْلِ، وأن لا ديةَ، ولا بدَّ من قَتْل القاتل، إلى غير ذلك، هذا قول جمهور المفسِّرين، وقالَ ابن زَيْدٍ: إنما المراد هنا ب {الأغلال} قولُ اللَّه عزَّ وجلَّ في اليهود:
{غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ} [المائدة: 64] ، فمنْ آمن بنبينا محمَّد صلى الله عليه وسلم، زالَتْ عنه الدعوةُ، وتغليلها، ومعنى {عَزَّرُوهُ} : أي: وقَّروه، فالتعْزيرُ والنصْرُ: مشاهدةٌ خاصَّة للصحابة، واتباع النور: يشترك فيه معهم المؤمنون إلى يوم القيامة، والنُّورُ: كنايةٌ عن جُمْلة الشرع، وشَبَّه الشرعَ والهدى بالنور، إِذ القلوبُ تستضيء به؛ كما يستضيء البَصَرُ بالنُّور. انتهى انتهى. {الجواهر الحسان حـ 1 صـ}