وقوله: {ولا تتبعوا من دونه أولياء} تصريح بما تضمّنه: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم} لأنّ فيما أنزل إليهم من ربّهم أنّ الله إلهٌ واحد لا شريك له ، وأنّه الولي ، وأنّ الذين اتَّخذوا من دونه أولياء اللَّهُ حفيظ عليهم ، أي مجازيهم لا يخفى عليه فعلَهم ، وغيرَ ذلك من آي القرآن ؛ والمقصود من هذا النّهي تأكيد مقتضى الأمر باتّباع ما أنزل إليهم اهتماماً بهذا الجانب ممّا أنزل إليهم ، وتسجيلاً على المشركين ، وقطعاً لمعاذيرهم أن يقولوا إنّنا اتَّبعنا ما أنزل إلينا ، وما نرى أولياءنا إلاّ شفعاءَ لنا عند الله فما نعبدهم إلاّ ليقرّبونا إلى الله زلفى ، فإنّهم كانوا يموهون بمثل ذلك ، ألا ترى أنّهم كانوا يقولون في تلبيتهم:"لبّيك لا شريك لك إلاّ شريكاً هو لك تملكه وما ملك"فموقع قوله: {اتبعوا ما أنزل إليكم} موقع الفَصل الجامع من الحد ، وموقع {ولا تتبعوا} موقع الفصل المانع في الحَدّ.
والأولياء جمع ولي ، وهو المُوالي ، أي الملازم والمعاون ، فيطلق على النّاصر ، والحليف ، والصاحب الصّادق المودّة ، واستعير هنا للمعبود وللإله: لأنّ العبادة أقوى أحوال الموالاة ، قال تعالى: {أم اتّخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي} [الشورى: 9] وقد تقدّم عند قوله تعالى: {قل أغير الله أتّخذ ولياً} في سورة الأنعام (14) ، وهذا هو المراد هنا.
والاتّباع في قوله: ولا تتبعوا من دونه أولياء يجوز أن يكون مستعملاً في المعنى الذي استعمل فيه الاتّباع في قوله: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم} وذلك على تقدير: لا تتّبعوا ما يأتيكم من أولياء دون الله ، فإن المشركين ينسبون ما هم عليه من الدّيانة الضّالة إلى الآلهة الباطلة ، أو إلى سدنة الآلهة وكُهّانها ، كما تقدّم عند قوله تعالى: