ولما كان اتباع ما أنزله سبحانه جل وعلا اتباعاً له عز شأنه عقب الأمر السابق بهذا النهي، وقيل: الضمير لما أنزل على حذف مضاف في {أَوْلِيَاء} أي لا تتبعوا من دون ما أنزل أباطيل أولياء، وكأنه قيل: ولا تتبعوا من دون دين ربكم دين أولياء، وذلك التقدير لأنه لا يحسن وصف المنزل بكونه دونهم، وجوز كون الضمير للمصدر أي لا تتبعوا أولياء اتباعاً من دون اتباعكم ما أنزل إليكم وفيه بعد.
وقرأ مجاهد {تَبْتَغُواْ} بالغين المعجمة من الابتغاء.
{قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} أي تذكراً قليلاً أو زماناً قليلاً تذكرون لا كثيراً حيث لا تتأثرون بذلك ولا تعملون بموجبه وتتركون الحق وتتبعون غيره، فقليلاً نعت مصدر أو زمان محذوف أقيم مقامه ونصبه بالفعل بعده وقدم عليه للقصر، و {مَا} مزيد لتأكيد القلة لأنها تفيدها في نحو أكلت أكلاً ما فهي ههنا قلة على قلة، والظاهر من القلة معناها، وجوز أن يراد بها العدم كما في قوله تعالى: {فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 88] وأجيز أن يكون {قَلِيلاً} نعت مصدر لتتبعوا أي اتباعاً قليلاً، قيل: ويضعفه أنه لا معنى حينئذٍ لقوله سبحانه: {تَذَكَّرُونَ} وأما النهي عن الاتباع القليل فلا يضر لأنه يفهم منه غيره بالطريق البرهاني، وأن يكون حالاً من فاعل {لاَ تَتَّبِعُواْ} و (ما) مصدرية أو موصولة فاعل له كما قيل ذلك في قوله تعالى: {كَانُواْ قَلِيلاً مّن الليل مَا يَهْجَعُونَ} [الذاريات: 17] والنهي متوجه إلى القيد والمقيد جميعاً واعترض بأنه لا طائل تحت معناه وأن وجه بما وجه، وأن يكون (ما) مصدرية أو موصولة مبتدأ، و {قَلِيلاً} على معنى زماناً قليلاً خبره، وقيل: إن (ما) نافية و {قَلِيلاً} معمول لما بعده، والكوفيون يجوزون عمل ما بعد (ما) النافية فيما قبلها، والمعنى ما تذكرون قليلاً فكيف تذكرون كثيراً وليس بشيء.
وقرأ حمزة والكسائي وحفص {تَذَكَّرُونَ} بحذف إحدى التاءين وذال مخففة.
وقرأ ابن عامر {يَتَذَكَّرُونَ} بياء تحتية ومثناة فوقية وذال مخففة، وفي طريق شاذة عنه بتاءين فوقيتين.
وقرأ الباقون بتاء فوقية وذال مشددة على إدغام التاء المهموسة في الذال المجهورة، والجملة على ما قاله غير واحد اعتراض تذييلي مسوق لتقبيح حال المخاطبين، والالتفات على القراءة المشهورة عن ابن عامر للإيذان باقتضاء سوء حالهم في عدم الامتثال بالأمر والنهي صرف الخطاب عنهم، وحكاية جناياتهم لغيرهم بطريق المباتة ولا حجة في الآية لنفاة القياس كما لا يخفى. انتهى انتهى. {روح المعاني حـ 8 صـ}