والفاء في قوله: {فلا يكن في صدرك} اعتراضية إذ الجملة معترضة بين فعل {أنزل} ومتعلّقة وهو {لتنذر به} ، فإنّ الاعتراض يكون مقترناً بالفاء كما يكون مقترناً بالواو كما في قوله تعالى: {هذا فليذوقوه حميم وغساف} [ص: 57] وقوله: {إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما فلا تتّبعوا الهوى} [النساء: 135] .
وقول الشّاعر وهو من الشّواهد:
اعْلَمْ فعِلْمُ المرء يَنْفَعُه...
أنْ سَوف يأتي كُلّ ما قُدّرا
وقول بشّار بن برد:
كقائلة إنّ الحمار فَنَحِّه...
عن القتّ أهلُ السّمسم المُتهذّبِ
وليست الفاء زائدة للاعتراض ولكنّها ترجع إلى معنى التّسبّب ، وإنّما الاعتراض حصل بتقديم جملتها بين شيئين متّصلين مبادرة من المتكلّم بإفادته لأهمّيته ، وأصل ترتيب الكلام هنا: كتاب أنزل إليك لتنذر به وذِكْرَى للمؤمنين فلا يكن في صدرك حرج منه ، وقد ذكَر في"مغني اللّبيب"دخول الفاء في الجملة المعترضة ولم يذكر ذلك في معاني الفاء فتوهّم متوهّمون أنّ الفاء لا تقع في الجملة المعترضة.
والمعنى أنّ الله أنزله إليك لا ليكون في صدرك حرج ، بل لينشرح صدرك به.
ولذلك جاء في نفي الحرج بصيغة نَهْي الحرج عن أن يحصل في صدر النّبيء صلى الله عليه وسلم ليكون النّهي نهي تكوين ، بمعنى تكوين النّفي ، عكس أمر التّكوين الذي هو بمعنى تكوين الإثبات.
مُثِّلَ تكوين نفي الحرج عن صدره بحالة نهي العاقل المدرِك للخطاب ، عن الحصول في المكان.