(فائدة)
{وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}
وهنا نرى التعبير عن التفرق بالقطع والقطع إنما يكون للأشياء المتماسكة كالشجر أو الخشب أو الثوب وما شابه ذلك، وإنما يقال في الأقوام: تفرقوا، لكن استعير التقطيع للتفريق وهي استعارة قريبة.
قال عبد القاهر: إن القطع إذا أطلق، فهو لإزالة الاتصال من الأجسام التي تلتزق أجزاؤها، وإذا جاء في تفريق الجماعة وإبعاد بعضهم عن بعض كقوله تعالى: {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا} كان شبه الاستعارة، وإن كان المعنى في الموضعين على إزالة الاجتماع ونفيه. فإن قلتَ: قطع عليه كلامه، أو قلت: نقطع الوقت بكذا كان نوعًا آخر، ثم إن هذه الاستعارة التي تشبه الحقيقة أو التي هي شبه الاستعارة - كما يقول عبد القاهر - قد أَثْرَتْ المعنى بما لا تجده في مثل قولنا: وفرقناهم في الأرض أممًا؛ وذلك لأن التقطيع يشير إلى معنى نفسي دقيق؛ هو هذه الوشائج والعلائق التي تقوم بين الجماعة القائمة في مكان واحد والمجتمعة في أرض واحدة، والتي هي أشبه باللحمة في الثوب. وقوله: {وَقَطَّعْنَاهُمْ} يشير إلى تقطيع هذه الصلات والروابط المتلاحمة والتي تربط الأخ بأخيه والوالد بولده والصاحب بصاحبه، وفي ذلك تصوير لآثار هذا التفريق وفِعله في نفوسهم، وربما لا تجد هذا في كلمة فرقناهم.
{سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ (193) }
كان الوثنيون الذين عبدوا الأصنام من عادتهم أنهم لا يدعون تلك الأصنام إذا نزلت بهم شدة، بل يدعون الله. وإذا ناسب التعبير عن صمتهم في الجملة الاسمية المفيدة للثبوت والدوام، وتأكيد الحكم، ولما كان الدعاء غير معتاد، فقد عبر عنه بالجملة الفعلية التي لا تفيد ثبوتًا. والمراد: سواء عليكم أأحدثتم الدعاء على غير عادة أم بقيتم مستمرين على عادة صمتكم.
{إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ... (194) }
فإنك إذا تأملتَ تجد أن جملة الصلة: {تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} تفيد تنبيه المشركين إلى خطئهم في عبادتهم غير الله تعالى.
{خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199) }