جرى الأسلوب كما ترى على طريقة التكلم: {إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ} ، ثمانتقل إلى طريقة الغيبة: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} ، وكان مقتضى ظاهر الأسلوب أن يقول: فآمنوا بالله وبي: والالتفات إلى الاسم الظاهر هيأ إلى الأوصاف المذكورة بعده: {النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ} ، وهي أوصاف مهمة في السياق؛ لأنها تحدث على الإيمان به، وكأن الرسول صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى تصديقه، لا لذاته ولكن لهذه الأوصاف، أي كونه رسولا أميا، وهذه الأوصاف تتضمن نوعا من البرهان على رسالته؛ لأن ما يخبرهم به من وحي السماء، وليس من معارفه المحصلة بالقراءة.
{سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ (193) }
جاءت الجملة الأولى فعلية - أدعوتموهم - والجملة الثانية اسمية - أنتم صامتون - لتفيد الأولى التجدد والحدوث، والثانية الدوام والاستمرار، فيكون المعنى سواء عليكم أن تحدثوا دعاءهم، أو أن تستمروا على صمتكم، والمراد بالدعاء طلب الهداية والنجاة، والموجه إليهم الدعاء هي الأصنام المعبودة من دون الله، وكان الوثنيون الذين يعبدون هذه الأصنام من عادتهم أنهم لا يدعون هذه الأصنام إذا نزلت بهم شدة، وإنما يدعون الله، فقيل: سواء عليكم أأحدثتم الدعاء على غير عادة، أم بقيتم مستمرين على عادة صمتكم، ولو قيل: سواء عليكم أدعوتموهم أم صمتم لأفاد أن صمتهم عن دعائهم لم يكن ثابتا، وإنما هو صمت حادث، وهذا بخلاف الواقع.
{إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (196) }
قال الخطيب: وما لا يستقيم المعنى فيه إلا على ما جاء من بناء الفعل على الاسم قوله تعالى: {إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ} ، وقوله تعالى: {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} ، وقوله تعالى: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} ، فإنه لا يخفى على من له ذوق أنه لو جيء في ذلك بالفعل غير مبني على الاسم لوجد اللفظ قد نبا عن المعنى، والمعنى قد زال عن الحال التي ينبغي أن يكون عليها.