وَإِذَا كَانَ الْمَعْنَى كَذَلِكَ، كَانَ قَوْلُهُ: (أَحْسَنَ) فِعْلًا مَاضِيًا، فَيَكُونُ نَصَبَهُ لِذَلِكَ. وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ (أَحْسَنَ) فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ، غَيْرَ أَنَّهُ نُصِبَ، إِذْ كَانَ (أَفْعَلَ) ، وَ (أَفْعَلَ) لَا يَجْرِي فِي كَلَامِهَا. فَإِنْ قِيلَ: فَبِأَيِّ شَيْءٍ خُفِضَ؟
قِيلَ: رَدًّا عَلَى (الَّذِي) ، إِذْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ مَا يَرْفَعُهُ. فَيَكُونُ تَأْوِيلُ الْكَلَامِ حِينَئِذٍ: ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي هُوَ أَحْسَنَ، ثُمَّ حُذِفَ (هُوَ) ، وَجَاوَرَ (أَحْسَنَ) (الَّذِي) ، فَعُرِّفَ بِتَعْرِيفِهِ، إِذْ كَانَ كَالْمَعْرِفَةِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ لَا يَدْخُلَانِهِ، (وَالَّذِي) مِثْلُهُ، كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ: مَرَرْتُ بِالَّذِي خَيْرٍ مِنْكَ وَشَرٍّ مِنْكَ، وَكَمَا قَالَ الرَّاجِزُ:
[البحر الرجز]
إِنَّ الزُّبَيْرِيَّ الَّذِي مِثْلُ الْحَلَمْ ... مَسَّى بِأَسْلَابِكُمْ أَهْلَ الْعَلَمْ
فَأَتْبَعَ (مِثْلُ) (الَّذِي) فِي الْإِعْرَابِ. وَمَنْ قَالَ ذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: مَرَرْتُ بِالَّذِي عَالِمٍ، لِأَنَّ (عَالِمًا) نَكِرَةٌ (وَالَّذِي) مَعْرِفَةٌ، وَلَا تَتْبَعُ نَكِرَةٌ مَعْرِفَةً.
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ مُوسَى فِيمَا امْتَحَنَهُ اللَّهُ بِهِ فِي الدُّنْيَا مِنْ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ.
عَنِ الرَّبِيعِ: {ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ} «فِيمَا أَعْطَاهُ اللَّهُ»
عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ: {ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ}
يَقُولُ: «مَنْ أَحْسَنَ فِي الدُّنْيَا تَمَّتْ عَلَيْهِ كَرَامَةُ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ» وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ الَّذِي تَأَوَّلَهُ الرَّبِيعُ يَكُونُ (أَحْسَنَ) نَصْبًا، لِأَنَّهُ فِعْلٌ مَاضٍ، وَ (الَّذِي) بِمَعْنَى (مَا) ، وَكَانَ الْكَلَامُ حِينَئِذٍ: ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى مَا أَحْسَنَ مُوسَى، أَيْ آتَيْنَاهُ الْكِتَابَ لِأُتَمِّمَ لَهُ كَرَامَتِي فِي الْآخِرَةِ تَمَامًا عَلَى إِحْسَانِهِ فِي الدُّنْيَا فِي عِبَادَةِ اللَّهِ وَالْقِيَامِ بِمَا كَلَّفَهُ بِهِ مِنْ طَاعَتِهِ
وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ: مَعْنَاهُ: ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى إِحْسَانِ اللَّهِ إِلَى أَنْبِيَائِهِ وَأَيَادِيهِ عِنْدَهُمْ.