صاحب هذا المقام الصادرة على هذا الوجه قد ارتفعت - كما ذكرنا من قبل - عن مراتب الجزاء. وقد أشير إلى ذلك بقوله تعالى: وَما تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ وبقوله وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ وبالتنبيه المضمّن فِي قصّة كتب الفجّار والأبرار - التي هي جرائد أعمالهم - وكون الواحد فِي سجّين ، والآخر فِي علّيّين ، ولم يذكر للمقرّبين كتابا ، ولم ينسب إليهم غير الشهود واختصاصهم بالعين التي يطيب ويشرف بها مشرب الأبرار ، فافهم.
ومن هذا المقام قيل لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ الآية. وهذه الحالة المذكورة لصاحب هذا المقام إحدى علامات من كان الحقّ سمعه وبصره ، وإحدى علامات صاحب قرب الفرائض أيضا باعتبار آخر يعسر شهوده وتصوّره إلّا للندّر.
والوجه الثاني من وجوه القلب يحاذي عالم الأرواح ، ويأخذ به صاحبه عنها ، وتنتقش فيه منها بحسب المناسبة الثابتة بينه وبينها ، وبحسب طهارة الوجه وصقاله ، الذي بهما تظهر صحة النسبة وتحيا رقيقة الارتباط ، التي هي كالأنبوب والمرزاب الذي يمرّ عليه الفيض ، ويسري فيه ، ويصل به إلى مستقرّه من القابل. وزكاته وصقاله بالتحلّي بالأخلاق المحمودة واجتناب المذمومة وعدم تمكين القوى الطبيعيّة من الاستيلاء على القوى الروحانيّة وإطفائها بظلمتها وتكديرها أشعّة أنوارها ، حتى تضمحلّ أحكامها وآثارها بقهر الأحكام الطبيعيّة المضادّة لها.