وقد تقدم حقيقة محبة الله للعباد ومحبتهم له ، وجعل من حقيقة محبتهم لله أن وصفهم أنهم أذلةٍ على المؤمنين ، أي متواضعين ، فالتواضع الانقياد لما يورث رقة والتعزز على من يورث صعبة ، وفي وصفهم بذلك وصف ينفي الجهل
عنهم ، وحصول العلم لهم ، وتهذيب أنفسهم فإن التواضع ثمرة العلم وتهذيب النفس ، وقد تقدم أن الجهاد ضربان: مجاهدة الغير ، وذلك إما
باللسان ، وإما بالبنان ، ومجاهدة النفس ، وذلك بإصلاح القوة العلمية ، وإصلاح القوة العملية.
المجاهد إمَّا مجاهد للنفس ، وإمَّا لشياطين الإنس والجن ،
قال بعضهم: - جهاد النفس أن لا نتركها تفتر عن الطاعة ، وجهاد
الشيطان أن لا يجد منك فرصة فيأخذ منك حظاً ، وجهادُ العَدُوَّان تدنوا من
صفة المسلمين .
قوله: (ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ) أي الجهاد في سبيل الله ، وما ذكر
به القدم للذين يحبهم ويحبونه: (يُؤتِيهِ) أي المستحقين.
قوله عز وجل: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ(55) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (56)
الولي والمولى: متقاربان ، لكن الوليَّ من الأسماء المتضايفة ، ويقتضي أن من واليته مواليك ، وقال: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ) .
وقال في صرضع: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ) ، وقال: (يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا)
وقال: (مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ) .