وقوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ} [المائدة: 58] أي: لا يعقلون ما لهم في إجابتهم لو أجابوا إليها، وما عليهم في استهزائهم بها، وقيل: إنهم بمنزلة من لا عقل له يمنعه من القبائح، ويردعه عن الفواحش، وقال الكلبي: لا يعقلون أمر الله.
59 -قوله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا} الآية. قال ابن عباس:"إن نفراً من اليهود أتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسألوه عمن يؤمن به من الرسل، فقال:"أؤمن باللهِ وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل إلى قوله تعالى: {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة: 133] فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته، وقالوا: والله ما نعلم أهل دين أقل حظاً في الدنيا والآخرة منكم،
ولا ديناً شرًّا من دينكم، فأنزل الله هذه الآية وما بعدها"."
وقوله تعالى: {هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا} يقال: نَقَمتُ على الرجل أَنْقِمُ ونَقِمْتُ عليه أَنْقَمُ، والأجود فتح الماضي، وهو الأكثر في القراءة، قال الله تعالى: {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ} [البروج: 8] .
ومعنى نقَمت: بالغت في كراهة الشيء ، فمعنى (تنقمون) أي: تكرهون وتنكرون.
وقوله تعالى: {وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ} [المائدة: 59] ، فقال كيف ينقم اليهود على المسلمين فسق أكثرهم.
قال أبو إسحاق: المعنى: هل تكرهون إلا إيماننا وفسقكم، أي إنما كرهتم إيماننا وأنتم تعلمون أنا على حق؛ لأنكم فسقتم بأن أقمتم على دينكم لمحبتكم الرئاسة وكسبكم بها الأموال.
وهذا معنى قول الحسن: لفسقكم نقمتم علينا ذلك.
قال صاحب النظم: فعلى هذا يجب أن يكون موضع"أنّ"في قوله: (وأن أكثركم) نصباً بإضمار اللام، على تأويل: ولأن أكثركم
فاسقون، أي: تنقمون منا ذلك لأن أكثركم فاسقون. والواو زائدة كما زيدت في غيرها من المواضع.
وقال غيره: إنما نقموا على المسلمين فسقهم؛ لأنهم لم يتابعوهم عليه.