فإن كنتم تعيبون علينا أو تكرهوننا أو تأخذون إيماننا سُبَّة فهذا أمر لا يُكره الإنسانُ من أجله ؛ لأنكم تدعون أنكم مؤمنون بالله . وكذلك لا يمكن أن يُسب الإنسان من أجل الإيمان بما أنزله الله في كتاب ؛ لأنكم أيضاً تقولون إنكم مؤمنون بالتوارة . وتقولون إنكم مؤمنون بالأنبياء السابقين على موسى . والخلاف أن عيسى عليه السلام جاء بعد نبيكم فكفرتم به ، لكننا آمنا به فنحن منطقيون مع أنفسنا ومع ربنا .
والحق يبلغنا: {وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ} . ونعرف أن صيانة الاحتمال تقتضي ألا يحكم الحق عليهم جميعاً بأنهم فاسقون ؛ لأن فيهم بعضاً من الناس تراودهم نفوسهم بالإيمان وبالإسلام ؛ لذلك لم يكن الحق أبداً ليعمم الحكم على كل أهل الكتاب بالفسق ؛ ليعطي الفرصة لمن يفكر أن يعلن إيمانه .
ومن بعد ذلك يأتي الخبر على لسان الرسول بعقابهم: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذلك مَثُوبَةً عِندَ الله مَن لَّعَنَهُ الله} إذن فهناك أمر أكثر ضرراً لكم لأنه ما كان يصح أن تكرهوا إيماننا ، والأكثر ضرراً من هذا هو لعنة الله {مَن لَّعَنَهُ الله وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ القردة والخنازير} ويأتي سبحانه بالأوصاف التي فيهم ، من لعنة الله وغضبه عليهم وجَعْلِه بعضاً منهم قردة وخنازير . وكيف يأتي الله بمثل هذه الأوصاف كمثوبة؟ إن هذا لون من فتح باب الرجاء والأمل ثم يصدمهم من بعد ذلك تماماً مثل قوله تعالى:
{فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [آل عمران: 21] .
والعذاب الأليم يُنذر به ، وكذلك اللعنة لا يمكن أن تكون ثواباً ، لكن الأسلوب القرآني يعطي النفس المخالِفة لوناً من الانبساط ، ثم يعطيها اللون المناقض له من الانقباض ، ليكون ذلك أبلغ في الانقباض وأكثر إيلاماً .