أما آية الفاتحة فقوله فيها:"ملك يوم الدين"آية انفردت عما قبلها بالتعريف بما لم تعرف به الآية التي قبلها من التنصيص على أنه ملك يوم الحساب فمصرف الكلامين فِي الآيتين إلى مقصودين وذلك أن قوله تعالى:"الحمد لله رب العالمين"كلام مصرفه بحسب التفصيل الوارد هنا إلى حال الدنيا مع انسحاب معناه على الدارين ولكن ورد الكلام مفصلا فقال:"الحمد لله رب العالمين"فمصرف هذا بسبقية المفهوم وتقييد ما بعده وما يقتضيه التناظر والتقابل إلى حال الدنيا ثم قال:"ملك يوم الدين"فمصرف هذا إلى الآخرة فهذا فِي التفصيل كقوله تعالى:"له الحمد فِي الأولى والآخرة"فلم يكن ما مصرفه إلى حال الدنيا ليقع به الاستغناء عما مصرفه إلى حال الآخرة فلم يكن بد من الإفصاح بالصفتين فورد ذلك فِي القراءتين بخلاف ما فِي آية آل عمران وآية الناس فإن الآيتين من حيث الاتصال فِي المعنى فِي قوة آية واحده والكلام فيهما مطلق غير مقيد فيتناول بحسب إطلاقه الحكم فِي الدارين مع أنه كلام واحد.
فإن قلت: إذا كان قوله"ملك يوم الدين"بحسب المصرف كما تقدم آية انفردت وأين مقصدها الآية قبلها على ما تمهد فقد صارت آيتا أم القرآن بحسب مصرف كل آية منهما كآية آل عمران وآية الناس فيحتاج فِي كل واحدة منهما على ما تمهد إلى ما يفهم أنه سبحانه ملك مالك وقد حصل ذلك من الآيات الثلاث فما المفهم لذلك من قوله تعالى:"رب العالمين"