السادس: أن الملك يجب عليه رعاية حال الرعية ، قال عليه الصلاة والسلام وكلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته ، ولا يجب على الرعية خدمة الملك.
أما المملوك فإنه يجب عليه خدمة المالك وأن لا يستقل بأمر إلا بإذن مولاه ، حتى إنه لا يصح منه القضاء والإمامة والشهادة وإذا نوى مولاه السفر يصير هو مسافراً ، وإن نوى مولاه الإقامة صار هو مقيماً ؛ فعلمنا أن الانقياد والخضوع فِي المملوكية أتم منه فِي كونه رعية ، فهذه هي الوجوه الدالة على أن المالك أكمل من الملك.
وحجة من قال أن الملك أولى من المالك وجوه: الأول: أن كل واحد من أهل البلد يكون مالكاً أما الملك لا يكون إلا أعظم الناس وأعلاهم فكان الملك أشرف من المالك.
الثاني: أنهم أجمعوا على أن قوله تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ الناس مَلِكِ الناس}
[الناس: 1 ، 2] لفظ الملك فيه متعين ، ولولا أن الملك أعلى حالاً من المالك وإلا لم يتعين.
الثالث: الملك أولى لأنه أقصر ، والظاهر أنه يدرك من الزمان ما تذكر فيه هذه الكلمة بتمامها ، بخلاف المالك فإنها أطول ، فاحتمل أن لا يجد من الزمان ما يتم فيه هذه الكلمة ، هكذا نقل عن أبي عمرو ، وأجاب الكسائي بأن قال: إني أشرع فِي ذكر هذه الكلمة فإن لم أبلغها فقد بلغتها حيث عزمت عليها ، نظيره فِي الشرعيات من نوى صوم الغد قبل غروب الشمس من اليوم فِي أيام رمضان لا يجزيه ، لأنه فِي هذا اليوم مشتغل بصوم هذا اليوم ، فإذا نوى صوم الغد كان ذلك تطويلاً للأمل ، أما إذا نوى بعد غروب الشمس فإنه يجزيه ؛ لأنه وإن كان ذلك تطويلاً للأمل إلا أنه خرج عن الصوم بسبب غروب الشمس ، ويجوز أن يموت فِي تلك الليلة ، فيقول: إن لم أبلغ إلى اليوم فلا أقل من أكون على عزم الصوم ، كذا ههنا يشرع فِي ذكر قوله مالك فإن تممها فذاك وإن لم يقدر على إتمامها كان عازماً على الإتمام وهو المراد.
ثم نقول: أنه يتفرع على كونه ملكاً أحكام ، وعلى كونه مالكاً أحكام أخر.