قولك:"ذاكرت"هو إثبات للفعل ، وقولك:"وما ذاكرت"هو نفي للفعل. فإذا جاء فعل من فاعل واحد مثبت مرة ومنفي مرة من كلام البليغ. فاعلم أن جهة الإثبات غير جهة النفي.
وقوله الحق: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ} فكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما جاء إلى المعركة أخذ حفنة من الحصى ، وجاء ورمي بها جيش العدو.
إذن فالعملية الشكلية قام بها النبي صلى الله عليه وسلم ، لكن أَلِرَسول الله قدرة أن يُرسل الحصى إلى كل جيش العدو ؟ إن هذه ليست في طاقته ، فقول الحق: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} . أنت أخذت شكلية الرمي ، أما موضوعية الرمي فهي لله سبحانه وتعالى.
ويأتي مثلاً في آية أخرى يقول:
{وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [الروم: 6] .
وهذا نفي. ثم يقول بعدها مباشرة:
{يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الروم: 7] .
وتتساءلون أيقول:"لا يعلمون".. ثم يقول:"يعلمون"بعدها مباشرة ؟ نعم فهم لا يعلمون العلم المفيد ، وقوله: {يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} أنهم لا يعلمون بواطن الأمور ولا عواقبها. فإذا جاء فعل فثبت مرة ونفي مرة أخرى فلا بد أن الجهة منفكة.
مثال ذلك هو قول الحق:
{فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ} [الرحمن: 39] .
ثم يقول القرآن في موقع آخر:
{وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ} [الصافات: 24] .
ومعناها أنهم سيُسألون. ونقول: اجعلوا عندكم ملكة العربية ، ألا يسأل الأستاذ تلميذه.