لكن المسائل التي يقف فيها العقل فقط هي المصائب التي تصيب الناس بغير عملهم. وكان على الفلسفة أن تبحث هذا المجال ، أما الدين فهو يقول لنا أسباب تلك المسائل ؛ فالشيء الذي له مقدمات من أسباب تكاسل الإنسان عنها ، ثم أصابته كارثة فهذا من فعل الإنسان في نفسه. أما الأشياء التي تأتي قدرية فهذا أمر مختلف. فإذا كان ديننا قد وضع للإنسان أسباباً كونية وحكمة الإنسان الإيمانية قالت له: افعل ذلك حتى يحدث كذا ، ولا تفعل ذلك حتى لا يحدث كذا فعلى الإنسان أن يعرف أن الله لم يعطه كل ما يستطيع به استيعاب كل حكمة المكوِّن في الكون ، ليلفت سبحانه الإنسان دائما على أن طلاقة القدرة ما زالت موجودة ، فيحدث شيء من الأشياء يتساءل فيه الإنسان: ما سبب ذلك ؟ ولماذا ؟ ومثال ذلك الزلزال أو البركان أو السيل الجارف والريح العاصف ، كل هذه الأحداث لا دخل للإنسان فيها ، وهي أحداث تقول للإنسان:
لو أن المسائل في الكون فيها رتابة أسباب لما ارتبطنا بقوة غيبية خفية نضرع إليها دائماً لنَسْلَم.
وجاءت بعض مدارس الفلسفة في ألمانيا - مثلا - وقالت: إن وجود الشر في الكون دليل على أنه لا يوجد إله ، فلو كان هناك إله حكيم لما أفلتت منه هذه المسائل ، ولما خرج واحد بعين واحدة ولا خرج أعرج ولا مشوه. وقالت مدرسة أخرى في العصر نفسه: لا. إن رتابة النظام في الكون دليل على أنه لا يوجد إله ، فلو كان هناك إله لخرق القانون والناموس ولأخرج بعض الأحداث عن هذا الناموس.
وهكذا نرى أنهم يريدون الكفر من أجل الكفر بدليل أن مدرسة أخذت النظام في الكون كدليل للكفر ، ومدرسة أخرى أخذت الشواذ في الكون كدليل على الكفر. وكُلّ من أقطاب المدرستين إنما يبحث عن سبب للكفر.