أو أن سكان هذه القرية استخرجوا نعمة الله واستنبطوها وستروها عن الخلق ، وفساد الكون إنما يأتي من هذين الأمرين:
أي أن هناك أمماً متخلفة ، كسل سكانها عن توجيه طاقاتهم لاستنباط النعم من الأرض. أو أن هناك أمماً أخرى تملك الثراء والخير وترميه في البحر حتى لا يذهب إلى الأمم المتخلفة. والخراب الذي نلمسه في علاقات العالم ببعضه البعض يقول لنا: إن العالم هو القرية التي ضرب الله بها المثل:
{وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} [النحل: 112] .
ولنر دقة الأداء القرآني ، في قوله: {فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ} ، ونعلم أن الذي يُذاق هو الطعم. والطعم يكون باللسان وحده: أما اللباس فيعم كل الجسم ، والحق هنا يعطي الإذاقة ولا يكون الذائق هو الفم فقط بل كل الجسم ، فالفم إنما يتناول لصالح بقية الجسم ، وعندما لا تصل مادة الحياة إلى بقية الجسم فكل الجسم يذوق الجوع أيضاً.
والكون المخلوق لله مصنوع على نظام دقيق من أجل أن تسير السنن الكونية في مجالاتها التي حددها الله ، وعندما تنتظم هذه السنن في حركتها فهي تعطي النتائج للإنسان ولو بعد حين ، حتى إن بعض المفسرين والمتكلمين بعمق يقولون: إن الأمراض الوراثية التي تنتقل من أجيال سابقة إلى أجيال لاحقة كان السبب فيها تقصير آباء واجتراءهم على أشياء مخالفة لمنهج السماء ، فإذا شرع الله سنة كونية للفرد ثم خالفها تصيبه نتيجتها السيئة من بعد ذلك ، وكذلك الأمة والجماعة.