التَّأْثِيرَ الَّذِي يَحْمِلُ صَاحِبَهُ عَلَى التَّأَمُّلِ وَالتَّفَكُّرِ فِي حَقِيقَةِ حَالِهِ، وَمُعَاتَبَةِ نَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ بَقِيَّةٌ مِنَ الرَّجَاءِ تَابَ إِلَى رَبِّهِ وَرَجَعَ كُلُّهُ إِلَى حَقِيقَةِ دِينِهِ، هَذِهِ هِيَ فَائِدَةُ تِلْكَ الْجُمْلَةِ الْمُعْتَرِضَةِ، وَبِاللهِ مَا أَعْجَبَ التَّشْبِيهَ فِيهَا وَنَفْيَ الْكَوْنِ وَتَنْكِيرَ الْمَوَدَّةِ إِنَّكَ إِنْ تُعْطِ ذَلِكَ حَقَّهُ مِنَ التَّأَمُّلِ، وَيُؤْتِكَ ذَوْقُ الْكَلَامِ قِسْطَهُ مِنَ الْبَلَاغَةِ، فَقَدِ أُوتِيتَ آيَةً مِنْ آيَاتِ الْفَرْقِ بَيْنَ كَلَامِ الْخَالِقِ وَكَلَامِ الْمَخْلُوقِينَ، وَكَشَفَ لَكَ عَنْ سِرٍّ مِنْ أَسْرَارِ عَجْزِ الْبَشَرِ عَنِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِ هَذَا الْكِتَابِ الْمُبِينِ.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَحَفَصٌ عَنْ عَاصِمٍ (كَأَنْ لَمْ تَكُنْ) بِالتَّاءِ، وَالْبَاقُونَ"يَكُنْ"بِالْيَاءِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ مَعْرُوفٌ فِي التَّنْزِيلِ وَكَلَامِ الْعَرَبِ، فَتَأْنِيثُ الْفِعْلِ هُوَ الْأَصْلُ لِأَنَّ الْمُسْنَدَ إِلَيْهِ مُؤَنَّثٌ، وَلَكِنَّ التَّأْنِيثَ فِيهِ لَفْظِيٌّ لَا حَقِيقِيٌّ، وَلِهَذَا جَازَ تَذْكِيرُ الْفِعْلِ
وَحَسُنَ، وَيَكْثُرُ مِثْلُهُ وَلَا سِيَّمَا فِي حَالِ الْفَصْلِ أَيْ: إِذَا فَصَلَ بَيْنَ الْفِعْلِ وَفَاعِلِهِ أَوِ اسْمِهِ فَاصِلٌ، وَمِنَ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ (10: 57) ، وَمِنَ الثَّانِي: فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ (2: 275) ، ذَكَرَ الْفِعْلَ، وَقَدْ فَصَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ فَاعِلِهِ بِالضَّمِيرِ الَّذِي هُوَ الْمَفْعُولُ. انتهى انتهى. {تفسير المنار حـ 5 صـ 197 - 209}