ومثل هذه المبالغة المذكورة في هذه الآية قلما يوجد في شيء من التكاليف، وذلك يوجب تقديم عموم القرآن والخبر على حكم القياس.
وقوله (ثمّ لا يجدوا) إلى آخره مشعر بذلك لأنه متى خطر بباله قياس يفضي إلى نقيض مدلول النص فهناك يحصل الحرج في النفس، فبين تعالى أنه لا يكمل إيمانه إلا بعد أن لا يلتفت إلى ذلك الحرج ويسلم للنصّ تسليماً كلياً، وهذا الكلام قوي حسن لمن أنصف انتهى.
أخرج البخاري ومسلم وأهل السنن وغيرهم عن عبد الله بن الزبير أن الزبير خاصم رجلاً من الأنصار قد شهد بدراً مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في شراج من الحرة وكانا يسقيان به كلاهما النخل، فقال الأنصاري: سرح الماء يمر، فأبى عليه فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك، فغضب الأنصاري وقال يا رسول الله إن كان ابن عمتك، فتلون وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال: اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر ثم أرسل الماء إلى جارك .
واستوعى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للزبير حقه، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل ذلك أشار على الزبير برأي أراد فيه سعة له وللأنصاري، فلما أحفظ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأنصاري استوعى للزبير حقه في صريح الحكم، فقال الزبير ما أحسب هذه الآية نزلت إلا في ذلك.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق ابن لهيعة عن الأسود أن سبب نزول الآية أنه اختصم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلان فقضى بينهما فقال المقضي عليه ردّنا إلى عمر، فردهما فقتل عمر الذي قال: ردّنا، ونزلت الآية فأهدر النبي - صلى الله عليه وسلم - دم المقتول وأخرجه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن مكحول فذكر نحوه، وبين أن الذي قتله عمر كان منافقاً، وهما مرسلان والقصة غريبة، وابن لهيعة فيه ضعف .