والثالثة: قوله: ولا خطر على قلب بشر ، وهذا أوسع من التخيلات ، فإذا كنت يا حق سبحانك ستعطينا في الجنة: ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. فبأي الألفاظ يا ربي تؤدي لنا هذه الأشياء ، وألفاظ اللغة إنما وضعت لمعانٍ معروفة ، وما دمت ستأتي بحاجة لم ترها عين ، ولم تسمعها إذن ولم تخطر على قلب بشر ، فأي الألفاظ ستؤدي هذه المعاني ؟ لقد أوضح صلى الله عليه وسلم: أنّه لا توجد ألفاظ ؛ لأن المعنى يُعرف أولاً ثم يوضع له اللفظ ، فكل لفظ وضع في اللغة معروف أن له معنى ، لكن ما دامت الجنة هذه لم ترها عين ، ولم تسمعها أذن ، ولم تخطر على قلب بشر ، فلا توجد كلمات تعبر عنها ، لذلك لم يقل صلى الله عليه وسلم: إن الجنة هكذا بل قال:"مثل الجنة"أما الجنة نفسها ، فليس في لغتنا ألفاظ تؤدي هذه المعاني ، وحيث إن هذه المعاني لا رأتها عين ولا سمعتها أذن ولا خطرت على قلب بشر ؛ لذلك فليس في لغة البشر ما يعطينا صورة عن الجنة ، وأوضح الحق سبحانه: سأختار أمراً هو أحسن ما عندكم وأعطيكم به مثلاً فقال:
{مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ} [محمد: 15] .