ونحن نرى الأنهار ، والحق يطمئننا هنا بأن أنهار الجنة ستختلف فهو سبحانه سينزع منها الصفة التي قد تعكر نهريتها ؛ فقد تقف مياه النهر وتصبح آسنة متغيرة ، فيقول: {أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ} ، إذن فهو يعطيني اسماً موجودا وهو النهر ، وكلنا نعرفه ، لكنه يوضح: أنا سأنزع منه الأكدار التي تراها في النهر الحادث في الحياة الدنيا ، وأيضاً فأنهار الدنيا تسير وتجري في شق بين شاطئين ، لكن أنهار الجنة سترى الماء فيها وليس لها شطوط تحجز الماء لأنها محجوزة بالقدرة.. وستجد أيضاً أنهاراً من لبن لم يتغير طعمه.
إن العربي كان يأخذ اللبن من الإبل ويخزنه في القِرَب ، وبعد ذلك ترحل الإبل بعيداً إلى المراعي وإلى حيث تسافر ، وعندما كان الأعرابي يحتاج إلى اللبن فلم يكن أمامه غير اللبن المخزن في القرب ، ويجده متغير الطعم لكنْ لا يجد غيره ؛ لذلك يوضح الحق: سأعطيكم أنهاراً من لبن من الجنة لم يتغير طعمه ، ثم يقول:"وأنهار من خمر"وهم يعرفون الخمر ولنفهم أنها ليست كخمر الدنيا ؛ لأنه يقول"مثل".. ولم يقل الحقيقة فقال: أنهار من خمر لكنها خمر"لذة للشاربين"، وخمر الدنيا لا يشربها الناس بلذة ، بدليل أنك عندما ترى من يشرب كأس خمر.
.فهو يسكبه في فمه مرة واحدة! ليس كما تشرب أنت كوباً من مانجو وتتلذذ به ، إنه يأخذه دفعة واحدة ليقلل سرعة مروره على مذاقاته لأنه لاذع ومحمض ؛ وتغتال العقول وتفسدها. لكن خمر الآخرة لا اغتيال فيها للعقول.