وقال جل قوله: (وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ) لا عهد
لمصر بمغفرة، ولا يأس على تائب من الرحمة، ولا رجاء لكافر ولا مشرك.
قوله جلَّ قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ ...(49) . يعجب نبيه
-صلى الله عليه وسلم - ، ومن تبعه من العلماء من ضعف عقول هؤلاء وضآلة عقولهم، لتزكيتهم
أنفسهم، وذلك أن تزكية النفس وجودها أبدًا عن العجيب والعجب عن الكبر،
والكبير يوجب المقت من الله - جلَّ جلالُه - ، ومن الذين آمنوا (بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ) .
ثم قال جل قوله: (وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا) بريد الذين يزكيهم الله،
وهو لا يزكى - جلَّ جلالُه - إلا من صلحت حالته عنده، فلا يظلمنهم ما هو مقدار فتيل، بل
لولا فضل الله عليهم ورحمته ما زكى منهم من أحد أبدًا.
وقد يتوجه قوله هذا: (وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا) يريد؛ أي: هؤلاء المكذبين
والكافرين من عمل منهم خيرًا أطعم به وعوفي (وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا) من ذلك، فإذا
كان الزكاء من الله - جلَّ جلالُه - وهو يخبر البواطن ويعلم الظواهر، وما تؤول إليه عواقب
الأمور، فهو الواهب ذلك والمثيب عليه، فكيف تصح لمخلوق تزكية نفسه لعدم
ذلك.
قال عزَّ من قائل: (انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا(50)
الزكاء: النماء، وهو الرفعة، فلان ينمي الحديث(يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ
الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا)أي: رفعه، فمفهوم خطاب القرآن على هذا أن الزكاء
ليس إلا ما كان من معنى القرب من الله - جلَّ جلالُه - والتقرب منه، لذلك قال - عز وجل -: انْظُرْ
كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ...). فإذًا لا ينبغي لأحد أن يزكي نفسه، ولا أن يزكي
أحدًا.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"بحسب المؤمن أن يقول في أخيه: حسبته كذا، وكذا"
أحسبه، ولا أزكي على الله أحدًا"أحسبه أن يفتري على الله الكذب، وكفى بافترائه"
علينا إثمًا مبينًا.
قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ ...(51) .