ونحن نعيش في عالم نرى فيه أنه كلما ارتقت الدنيا في العلم بيّن لنا ربنا آيات في كونه وفي أسرار الوجود تقرب لنا كثيراً من المعاني ؛ فالذين يصنعون الآن أسلحة الفتك والتدمير ، كلما يلطف السلاح ويدق ولا يكون داخلاً تحت مرائي البصر ، كان عنيفاً ويختلف عن أسلحة الأزمنة القديمة حيث كان الإنسان يرمي آخر بحجر ، ثم آخر يرمي بمسدس ، ثم صار في قدرة دولة أن تصنع قنبلة ذرية لا ينوب أي فرد منها إلا قدر رأس مسمار لكنها تقتل ، إذن فأسلحة الفتك كلما لطفت - أي دقت - عنفت. ونرى الآن أن الأسلحة كلها بالإشعاع ، والإشعاع ليس جِرْماً ، وعمل الإشعاع نافذ لكن لا يوجد له جرم ، وكما يقول الأطباء: نجري العملية من غير أن نسيل دماً بوساطة الأشعة ، ومثال ذلك أشعة الليزر ، إذن فكلما دقّ السلاح كان عنيفا وفتاكاً.
وهذا مثال يوضح ذلك: لنفرض أنك أردت أن تبني لك قصراً في خلاء ، ثم مرّ عليك صديق فقال: لماذا لم تضع لنوافذ الدور الأول حديداً ؟ تقول له: لماذا ؟. فيقول لك: هنا سباع وذئاب. فتضع الحديد ليمنع الذئاب ، وآخر يمرّ على قصرك فيقول: إن فتحات الحديد واسعة وهنا توجد ثعابين كثيرة ، فتضيق الحديد. وثالث يقول: هناك بعوض يلسع ويحمل الميكروبات. فتضع سلكاً على النوافذ.
إذن فكلما دقّ العدو كان عنيفاً فيحتاج احتياطاً أكبر. ونحن نعلم أن الميكروب الذي لا يُرى يأتي فيفتك بالناس ، فالآفة التي تصيب الناس كلما لطفت ، - أي دقت وصغرت - عنفت ، فلو كانت ضخمة فمن الممكن أن يدفعها الإنسان قليلاً قليلاً ، لكن عندما تصل إلى مرتبة من الدقة والصغر ، هنا لا يستطيع الإنسان أن يدفعها. وأفتك الميكروبات هي التي تدِق لدرجة أن الأطباء يقولون عن بعض الأمراض: لا نعرف لها فيروساً ؛ بمعنى أن هذا الفيروس المسبب للمرض صار دقيقاً جداً حتى عن معايير المجاهر.