ولذلك يجب أن يكون الناس في عطاء الله غير حاسدين وغير حاقدين. لكن بعض الناس ربما حسدوا غيرهم من الذين يعطيهم الأغنياء رغبة في أن يكون ذلك لهم وحدهم فإنك إن كان عندك كَمٌّ من المال ثم اتصل بك قوم في حاجة فأعطيتهم منه ، ربما قال الآخرون ممن يرغبون في عطائك ويأملون في خيرك: إنك ستنقص مما عندك بقدر ما تُعطي هؤلاء ؛ لأن ما عندك محدود ، ولكن هنا العطاء ممن لا ينفد ما عنده ، إذن فيعطيك ويعطي الآخرين ولا ينقص مما عنده شيء .
إذن فالغبطة أمر بديهي عند المؤمن ؛ لأنه يعلم أن عطاء الله لواحد لا يمنع أن يعطي الآخر ، ولو أعطي سبحانه كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عنده إلا كما ينقص المخْيط إذا غمس في البحر ، وذلك كما جاء في الحديث القدسي:"يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخْيط إذا أدخل البحر".
{أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَآ آتَاهُمُ} ، فالحسد - كما عرفنا - هو: أن يتمنى إنسان زوال نعمة غيره ، هذا التمني معناه أنك تكره أن تكون عند غيرك نعمة ، ولا تكره أن يكون عند غيرك نعمة إلا إذا كنت متمرداً على من يعطي النعم.
إن أول خطأ يقع فيه الحاسد هو: ردّه لقدر الله في خلق الله ، وثاني ما يصيبه أنه قبل أن ينال المحسود بشرّ منه ؛ فقلبه يحترق حقداً. ولذلك قالوا: الحسد هو الذنب أو الجريمة التي تسبقها عقوبتها ؛ لأن كل جريمة تتأخر عقوبتها عنها إلا الحسد ، فقبل أن يرتكب الحاسد الحسد تناله العقوبة ؛ لأن الحقد يحرق لبه وربما قال قائل: وما ذنب المحسود ؟.. ونقول: إن الله جعل في بعض خلقه داء يصيب الناس ، والحسد يصيبهم في نعمهم وفي عافيتهم. وما ذنب المقتول حين يوجه القاتل مسدسه ليقتله به ؟ هذه مثل تلك. فالمسدس نعمة من نعم الله عند إنسان ليحمي نفسه به ، وليس له أن يستعمله في باطل.