والحق سبحانه وتعالى حين يتفضل على بعض خلقه بخصوصيات يحب سبحانه أن تتعدى الخصوصيات إلى خلق الله ؛ لأننا نعرف أن في كل خلق من خلق الله خصوصية مواهب ، فإذا ما تفضل المتفضل بموهبته على الخلق تفضل بقية الخلق عليه بمواهبهم ، إذن فقد أخذ مواهب الجميع حين يعطي الجميع.
وهؤلاء قوم آتاهم الله نصيباً فبخلوا وضنّوا ، وليتهم ضنّوا على أمر يتعلق بهم ، بل على الأمر الذي وصلهم بالإله ، وهو أنهم أصحاب كتاب عرفوا عن الله منهجه ، وعرفوا عن الله ترتيب مواكب رسله ، فيريد الحق سبحانه أن يقول لهم: أنتم أوتيتم نصيباً من الكتاب فلم تؤدوا حقه ، وأيضاً أنكم لو ملكتم الملك فإنكم لن تؤدوا حقه ، ولن تعطوا أحداً مقدار نقير وهو النقرة على ظهر النواة ، ولذلك قال:
{أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً} [النساء: 53] .
إذن فلا هم في المعنويات والقيم معطون ، ولا هم في الماديات معطون. فإذا كانوا قد بخلوا بما عندهم من القيم فهم أولى أن يبلخوا بما عندهم من المادة ، وبذلك صاروا قوماً لا خير فيهم أبداً.
ثم يوضح الحق: إذا كان هؤلاء قد أوتوا نصيباً من الكتاب يعرِّفهم سمات الرسول المقبل الخاتم فما الذي منعهم أن يؤمنوا به أولاً ويؤيدوه ؟. لا شك أنه الحسد ، على الرغم من أنه صلى الله عليه وسلم جاء مصدقاً لما معهم ، إنهم لا شك حسدوا الرسول صلى الله عليه وسلم ، والحسد لا يتأتى إلا عن قلب حاقد ، قلب متمرد على قسمة الله في خلقه ؛ لأن الحسد كما قالوا: هو أن تتمنى زوال نعمة غيرك ، ويقابله"الغبطة"وهي أن تتمنى مثل ما لغيرك ، فغيرك يظل بنعمة الله عليه ، ولكنك تريد مثلها.
وأنت إن أردت مثلها من الله فلا بد أن تغبطه ، والحق يقول:
{مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ} [النحل: 96] .