فكذلك إذا كان حراماً يبعد القلب عن الله تعالى وعن الدار الآخرة، بل يحول بينه وبين الإيمان حتى يحدث طهراً كاملاً بالتوبة، وطهراً لبدنه بالماء.
فالعاصي إنما ينقم على أهل الطاعة تجريدهم الطاعة وتركهم المعصية كما حكى الله عن قوم لوط قولهم: {أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82) } [الأعراف: 82] .
وهكذا كل مشرك إنما ينقم على الموحد تجريده للتوحيد، وأنه لا يشوبه بالشرك.
وهكذا المبتدع إنما ينقم على صاحب السنة تجريده متابعة الرسول، وأنه لم يشبها بما يخالفها: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (59) } [المائدة: 59] .
والمشركون الذين وصفهم الله ورسوله بالشرك أصلهم صنفان:
قوم نوح .. وقوم إبراهيم.
فقوم نوح كان أصل شركهم العكوف على قبور الصالحين، ثم صوروا تماثيلهم، ثم دعوا الله عندها، ثم عبدوها من دون الله.
وقوم إبراهيم كان أصل شركهم عبادة الكواكب والشمس والقمر.
وكل هؤلاء إنما يعبدون الجن، فإن الشياطين تخاطبهم وتعينهم على أشياء، وتتصور لهم بصور الآدميين، فيرونهم بأعينهم.
والجن كالإنس فيهم المؤمن والكافر، والمطيع والعاصي، والمنافق والفاسق. والشياطين من الجن يوالون وينفعون من يفعل ما يحبونه من الشرك والفسوق والعصيان من الآدميين: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (40) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (41) } [سبأ: 40، 41] .
فنوح - صلى الله عليه وسلم - أول من غير الشرك الأرضي، وهو عبادة أهل الأرض للأصنام، وإبراهيم - صلى الله عليه وسلم - أول من غير الشرك السماوي، وهو عبادة قومه للكواكب والنجوم.