وأمامى نموذج مثير لقصة وقعت في حرب الردة عندما اشتبك المسلمون في قتال فادح المغارم مع أتباع مسيلمة الكذاب! ومسيلمة هذا شخص عجيب فإن جنون العظمة قد يدفع أصحابه إلى ما يشاكل طباعهم من انحراف،"فنيرون"قد يحرق روما و"هولاكو"قد يدمر بغداد، وقد يستطيع مسيلمة أن يكون قاطع طريق فيشبع تطلعه إلى الظهور! أما أن يدعى النبوة فهذا ما لا مساغ له .. لكن سعار العظمة جعله يدعيها ويرسل إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قسم الأرض نصفين بينهما! وقد تجاوز النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هذا الهزل، وأرسل حبيب بن زيد يتحدث معه ويستطلع خبره ويحاول رده إلى صوابه. وكان حبيب شابا مؤمنا جريئا، فلما رآه مسيلمة قرر قتله! فسأله أولا: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم. قال: أتشهد أنى رسول الله؟ فتصامم حبيب، وأشار بوجهه لا أسمع. وكرر مسيلمة دعواه، وكرر حبيب رفضه الصامت المستهزئ المستكبر! وهنا بدأ مسيلمة يقطع الشاب المؤمن عضوا عضوا، كلما سأله فرفض الإيمان به قطع جزءا من جسمه، فلما استمر تقطيع الأشلاء، ونزف الدماء فاضت روح الشاب الجلد وهو يحتقر الباطل ويعز الحق! وعلمت أمه"نسيبة بنت كعب الأنصارية"بمصرع ولدها على هذا النحو فنذرت ألا تغتسل حتى تثأر لولدها وحتى يقتل مسيلمة، وخرجت المرأة مع ابنها عبد الله واشتركت في معركة اليمامة وقاتلت جيش مسيلمة أشد قتال، وأصابها اثنا عشر جرحا وهى مقدمة شجاعة، وقُطعت يدها خلال المعركة الشرسة، لكن خيل الله قتلت مسيلمة ومحت أكذوبته بالدم الغزير، وانتصر الحق، وزاح الإفك، وعادت نسيبة بعدما وفت بنذرها! أكان أحد يستطيع ردها عندما خرجت؟ كلا .. لقد شهدت من قبل قتال أحد، وشهدت بيعة الرضوان في عمرة الحديبية، وشهدت فتح مكة ويوم حنين، ومن قبل ذلك شاركت في بيعة العقبة، إنها مثل عال للمسلمة المجاهدة التى شرفت أسرتها ودينها .. وأعلم أن بعض المتفيهقين في عصرنا لو صادف المرأة الصالحة وهى خارجة من بيتها لتقاتل الكذاب وأتباعه لقال لها: اقعدى في بيتك، لا يجوز لك هذا! إن هؤلاء المتفيهقين تعرفهم عصور الاضمحلال العقلى، ولا يمكن أن يظهروا في مجتمع ناضج أو في سلف صالح. قانون .."الحمد"!