وما دام المال عزيزاً على الإنسان وأخذه من طريق الحركة وطريق الجدّ وطريق العرق فيجب ألا ينفقه إلا فيما يعود عليه بالخير العاجل ولا ينسى الخير الآجل ، فإن هو حقق به خيراً عاجلاً ثم سها وغفل عن شرّ آجل فهو لم يضع المال في موضعه. {أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُمْ مُّحْصِنِينَ} و"محصنين"كما عرفنا لها معان متعددة.."محصنين"أي متعففين أن تَلِغُوا وتقعوا في أعراض الناس. بأموالكم ، أي ضع مالك الذي كسبته بكدّ فيما يعود عليك بالخير العاجل والآجل ، فلا تلغوا به في أعراض الناس ؛ لأنه من الممكن أن يبتغي إنسان لقاء امرأة بأمواله لكنه غير محصن ، ونقول له: أنت حققت لذة ونفعاً عاجلاً ولكنك ذهلت عن شرّ آجل ، يقول فيها ربنا: {مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ} ومنه أخذ السِفاح.
فإياك أن تدفع أموالك لكي تأخذ واحدة تقضي معها وطراً. فكلمة"محصنين"تعني التزام العفة ، وشرح الحق كلمة محصنين بمقابلها وهو: مسافحين ، من السفح وهو: الصب ، والصب هطول ونزول الماء بقوة ، فالماء قد ينزل نقطة نقطة ، إنما السفح صبّ ، ولذلك سمي سفح الجبل بذلك لأن الماء ينزل من كل الجبل مصبوباً.
هنا يلاحظ أن الحق حين يتكلم عن الرجال يقول:"محصنين"بكسر الصاد ، وحين يتكلم عن النساء يقول:"محصَنات"بالفتحة. لم يقل"محصِنات"بالكسرة ، لأن العادة أن الذكورة هي الطالبة دائماً للأنوثة ، والأنوثة مطلوبة دائما.