فتوهم بعضُ الرواة أن يومَ خَيْبَر ظرفٌ لتحريمهن ، فرواه: ( حرّم رسول الله صَلّى اللهُ عليّه وسلّم المُتعة زمن خَيْبَر ، والحُمُرَ الأهلية ) ، واقتصر بعضهم على رواية بعض الحديث ، فقال: ( حرّم رسول الله صَلّى اللهُ عليّه وسلّم المُتعة زمَن خَيْبَر ) ، فجاء بالغلط البيّن .
فإن قيل: فأى فائدة في الجمع بين التحريمين ، إذا لم يكونا قد وقعا في وقت واحد ، وأين المُتعةُ مِن تحريم الحُمُرِ ؟ قيل: هذا الحديثُ رواه على بن أبى طالب رضي الله عنه محتجاً به على ابن عمه عبد الله بن عباس في المسألتين ، فإنه كان يُبيح المُتعة ولحوم الحُمُر ، فناظره على بن أبى طالب في المسألتين ، وروى له التحريمين ، وقيّد تحريمَ الحُمُر زمن خَيْبَر ، وأطلق تحريمَ المُتعة وقال: إنك أمرؤ تائه ، إنّ رسول الله صَلّى اللهُ عليّه وسلّم حرّم المُتعة ، وحرّم لحوم الحُمُر الأهلية يومَ خَيْبَر ، كما قاله سفيانُ بنُ عُيينة ، وعليه أكثرُ الناس ، فروى الأمرين محتجاً عليه بهما ، لا مقيّداً لهما بيوم خَيْبَر ... . والله الموفق .
ولكن ههنا نظر آخر ، وهو أنه: هَلْ حرّمها تحريمَ الفواحش التي لا تُباح بحال ، أو حرّمها عند الاستغناء عنها ، وأباحها للمضطر ؟ هذا هو الذي نظر فيه ابنُ عباس وقال: أنا أبحتُها للمضطر كالميتة والدم ، فلما توسّعَ فيها مَنْ توسّع ، ولم يقف عند الضرورة ، أمسك ابنُ عباس عن الإفتاء بحلّها ، ورجع عنه ، وقد كان ابنُ مسعود يرى إباحتها ويقرأ: {يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرّمُواْ طَيّبَاتِ مَا أَحَلّ اللهُ لَكُمْ} [المائدة: 87] .