وإنه يلاحظ أنه لَا يحرم بالرضاعة الأمهات والأخوات فقط، بل البنات والعمات والخالات، وبنات الأخ والأخت، وإن نزلت درجاتهن في القرابة. وقد فهم كثيرون من المفسرين تحريم هذا كله من الآية الكريمة؛ وذلك لأنه سبحانه وتعالى لما سمى المرضع أما، وابنة المرضع أختا، فقد نبه بذلك إلى أنه أجرى الرضاعة مجرى النسب، ففهم بفحوى الخطاب باقي المحرمات رضاعا اللائي يعتبرن نظيرا للقريبات، وإنه قد نص على تحريم الأخت رضاعا، وليست الأخت أقرب من بنت البنت الرضاعية، فتحرم عليه بالأولى، ولقد جاءت السنة موضحة ذلك المعنى، فقد روى أنه لما طُلِبَ إليه عليه الصلاة والسلام أن يتزوج ابنة عمه حمزة قال:"لا تحل لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة، ويحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب"وروى أن عائشة كانت قد رضعت من امرأة أبي القُعَيْس، فجاء أخوه أفلح يستأذن عليها، فقالمت: أرضعتني امرأة أخيه، فلا آذن له، حتى أستأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلما ذكرت ذلك لرسول الله قال:"ائذني له فإنه عمك تَربت يداك"، وذلك لأنها لما رضعت من امرأة أخيه على ولد أخيه اعتبر أبا رضاعيا لها، فيكون هو عمها.
والرضاعة المحرمة عند مالك وأبي حنيفة هي كل مقدار قل أو كثر، وعند الشافعي وأحفد لَا يحرم إلا خمس رضعات مشبعات ليمكن أن يكون الولد جزءا ممن أرضعته؛ إذ يكون قد أخذ منها غذاء يوم كامل. ولا بد أن تكون الرضاعة في الصغر، لقوله عليه الصلاة والسلام:"إنما الرضاعة من المجاعة"وذلك يكون في السنتين الأوليين من حياة المولود، ولذا قال سبحانه: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ. . .) . وقال أبو حنيفة: إن الرضاعة المحرمة هي ما تكون في الثلاثين شهرا التي أعقبت الولادة.