والثالث: أن حُكم النسخ وقع بقرآن، قد رُفع تلاوته، وبقي حكمه.
وهو ما رُوي عن عمر رضي الله عنه: كان مما يقرأ في القرآن: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالاً من الله، والله عزيز حكيم.
فهذه أقوال عامة المفسرين، وأما ابن بحر فإنه قال: المراد بقوله:
(وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ) ، وبقوله:
(وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ) ما يتعاطى الرجال بعضهم من بعض.
والنساء بعضهن مع بعض، وبقوله: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي) ما يتعاطى الرجل
مع المرأة، قال: ولا نسخ في ذلك، قال: ويدل على ذلك أن
(وَاللَّاتِي يَأْتِينَ) متضمنة للإِناث فقط، (وَاللَّذَانِ) يتضمن
المذكرين، قال: ولا يصحُّ أن يقال: إن الذكر والمؤنث إذا اجتمعا
غلب المذكر، لأن ذلك إنما يكون حيث تقدم لهما ذكر، نحو
قوله: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ)
قال: وقد روي عنه - صلى الله عليه وسلم -:
"مباشرة الرجل الرجل زنى، ومباشرة المرأة المرأة زنى".
وهذا الذي قاله وإن ساعده اللفظ فعدول عن سنن السلف.
قوله تعالى: (وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا(16)
قد ذُكر تفسيرها في الآية المتقدمة.
وقال مجاهد: هما الرجلان
الزانيان، يعني المتعاطيين اللواطة، يُعبَّر عنها بالفاحشة.
وقد رُوِي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن"اللواطة الزنى الصغير"، وظاهر قوله: (فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا) يقتضي أن التوبة
تُسقط الحبس والأذى عن الزانيين، وقد قيل: الإِعراض عنهما
هو ترك التثريب المذكور في قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"إذا زنت أمة أحدكم .."الخبر إلى قوله:"فليبعها ولو بضفير، ولا يُثرِّب عليها".