وثانيها: أنا لا نسلم أن المقطوع لا يُدْفع بالمظنون، ألا ترى أنَّ انتفاء الأحكام قبل ورود الشرائع مقطوعٌ به عندنا، وثبوت الحظر أو الإباحة مقطوعٌ به عند آخرين [1] ، ثم إذا نُقِل خبرٌ عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - آحادًا - يَثبت العملُ به ويَرتفع ما تقرر قبل ورود الشرائع [2] . ذكره القاضي أيضًا [3] .
وثالثها: أَنَّا مهما جَوَّزنا نسخ النص بخبر الواحد - فلا نسلم مع ورود خبر الواحد كونَ النصِّ مقطوعًا به، فإنا لو قلنا ذلك لَزِمنا أن نقطع بكذب الراوي، وهذا ما [4] لا سبيل إليه، ذكره القاضي أيضًا [5] .
ومراده: أن المقطوع به إنما هو أصل الحكم لا دوامه، (والنسخ لم يرد على أصل الحكم، وإنما قَطَع دوامَه) [6] [7] .
ومنهم مَنْ ضَعَّف هذا الدليل بوجهين آخَرَيْن:
أحدهما: مَنْع لزومِ ترجيح الأضعف على الأقوى [8] ، وسنده: أن الكتاب والسنة المتواترة وإنْ كانا مقطوعي المتن، لكنهما مظنونا الدلالة.
(1) وهم المعتزلة، كما سبق في مسألة حكم الأشياء قبل ورود الشرع.
(2) أي: من نفي الأحكام، أو ثبوت الحظر أو الإباحة.
(3) انظر: التلخيص 2/ 526.
(4) في (ت) ، و (غ) :"مما".
(5) انظر: التلخيص 2/ 526.
(6) سقطت من (ت) .
(7) يعني: فالتعارض إنما هو بين خبر الواحد وبين دوام الحكم، وكلاهما ظنيان، فجاز رفع الدوام بخبر الواحد.
(8) يعني: منع كون نسخ خبر الواحد للمتواتر مِنْ قبيل ترجيح الأضعف على الأقوى.