عاقل مارَسَ الحدود والرسوم، أو لم يمارس شيئًا البتة - يأمر وينهى، ويُفَرِّق بالبديهة بين طلب الفعل وطلب الترك، وبينهما وبين المفهوم من الخبر.
وهذا الدليل قد أكثر الإمام التعويل عليه [1] ، وهو مدخول من وجوه:
أحدها: أنه لا يلزم من الحكم بالتفرقة بين الشيئين بالبديهة معرفةُ كنه حقيقَتَيْهما [2] ، بل قد لا يَعْرِف الحاكم بالتفرقة ماهيةَ ذلك الشيء، فضلًا عن أن يعرفه بالبديهة [3] . ألا ترى أن كل أحد [4] يعلم مِنْ نفسه أنه موجود بالبديهة، ويفرق بين الإنسان والمَلَكِ والطائر والفرس، ولا يدري ماهية نفسه ولا ماهية الملك ولا الطائر والفرس - معرفةً خاصة [5] بالجنس والفصل [6] .
والثاني: أن قوله [7] : يفرق بين طلب الفعل وطلب الترك بالبديهة،
(1) انظر: المحصول 1/ ق 2/ 23.
(2) في (ك) :"حقيقتهما".
(3) ولذلك قال الإسنوي رادًا على دليل الإمام:"ولك أن تقول: التفرقة البديهية لا تتوقف على العلم البديهي بحقيقة كل واحدٍ منهما، بل على العلم البديهي بهما من وجه، بدليل أنَّا نفرق بالبديهة بين الإنسان والملائكة". نهاية السول 2/ 242.
(4) في (ك) :"واحد".
(5) في (ص) :"خاصيته". وهو خطأ؛ لأن الخصائص هي أمور عرضية وتعرف بالرسوم أي: بالجنس والخاصة، ولا تكون معرفتها بالحدود، أي: بالجنس والفصل.
(6) هذه المعرفة الخاصة يقال لها في المنطق: كنه الشيء وحقيقته، وهي معرفة الشيء بالذاتيات أي: الجنس والفصل. قال في سُلَّم العلوم ص 60:"فالحد التام: ما اشتمل على الجنس والفصل القريبين. وهو الموصل إلى الكُنْه".
(7) أي: قول الإمام.