وكذلك هرقل ملك الروم، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما كتب إليه كتابًا يدعوه فيه إلى الإسلام طلب من كان هناك من العرب، وكان أبو سفيان قد قدم في طائفة من قريش في تجارة إلى الشام، وسألهم عن أحوال النبي -صلى الله عليه وسلم- فسأل هرقل أبا سفيان، وأمر الباقين إن كذَبَ أن يكذبوه، فصاروا بسكوتهم موافقين له في الأخبار، سأله: هل كان في آبائه من ملك؟ فقالوا: لا ليس في آبائه من ملك. قال: هل قال هذا القول أحد قبله؟ فقالوا: لا. وسأله: أهو ذو نسب فيكم؟ فقالوا: نعم. وسألهم: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فقالوا: لا، ما جربنا عليه كذبًا. وسألهم: هل اتبعه ضعفاء الناس أم أشرافُهم؟ فذكروا أن الضعفاء اتبعوه. وسألهم: هل يزيدون أم ينقصون؟ فذكروا أنهم يزيدون. وسألهم: هل يرجع أحد منهم عن دينه سخطةً له بعد أن يدخل فيه؟ فقالوا: لا. وسألهم: هل قاتلتموه؟ قالوا: نعم. وسألهم عن الحرب بينهم وبينه. فقالوا: يدال علينا مرة، وندال عليه أخرى. يعني: مرة يهزمنا ومرة نهزمه. وسألهم: هل يغدر؟ فذكروا
أنه لا يغدر. وسألهم: بماذا يأمركم؟ فقالوا: يأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئًا، وينهانا عما كان يعبد آباؤنا، ويأمرنا بالصلاة، والصدق، والعفاف، والصلة.
وهذه أكثر من عشر مسائل.
ثم بين لهم ما في هذه المسائل من الأدلة فقال: سألتكم هل في آبائه من ملك؟ فقلتم: لا، قلتُ: لو كان في آبائه من ملك لقلت: رجل يطلب مُلكَ أبيه، وسألتكم: هل قال هذا القول فيكم أحد قبله؟ فقلتم: لا، فقلتُ: لو قال هذا القول أحد قبله لقلت: رجل ائتم بقول قيل قبله، وسألتكم: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فقلتم: لا، فقلت: قد علمت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس، ثم يذهب فيكذب على الله، وسألتكم: أضعفاء الناس يتبعونه أم أشرافهم؟ فقلتم: ضعفاؤهم، وهم أتباع الرسل، يعني: في أول أمرهم، ثم قال: وسألتكم: هل يزيدون أم ينقصون؟ فقلتم: بل يزيدون، وكذلك الإيمان حتى يتم، وسألتكم: هل يرتد أحد منهم عن دينه سخطة له بعد أن يدخل فيه؟ فقلتم: لا، وكذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب لا يسخطه أحد.