قيل: والمؤمن إن صار غداً كافر فلا يخلو اليوم من أن يكون إنساناً، قيل: والمؤمن إن صار غداً كافراً فلا يخلو اليوم من أن يكون مؤمناً، ولولا أنه مؤمن اليوم ما أمكن أن يزيد عنه إذا كان مؤمناً أصلياً، فكيف يزيد عنه وهو ليس فيه؟ فثبت إذا أنه مؤمن في الحال.
فإن قال: إن ذلك الإيمان يحبط إذا ردفه الكفر، قيل: ينبغي إذا كان الرجل مؤمناً أصلياً أن لا تثبت ردته، لأن كل ما أدى إثباته إلى إبطاله فإنه لا يثبت، ويعلم أن ردته، إذا ثبت وقيل إنها أحبطت الإيمان من أصله، فوجب إذا أنزل أنه لم يكن مؤمناً قط، أن لا يثبت منه الانتقال عن الإنسان إلى الكفر وإذا لم يثبت هذا، فالردة إذا لم تكن، وفي إجماع المسلمين على ثبوت الإيمان قبله.
فبان بهذا أن الكفر إذا طرأ على الإنسان قطعه من حين وجد، إلا أن ما مضى يحبط آخره لا أن عنه يحبط فيصير كأن لم يكن، وينقلب الموجود منه بالحقيقة معدوماً، وإذا كان كذلك لم يصح الاستثناء حذراً من سوء العاقبة.
فإن الردة وإن عرضت لم تخرج المرتد إن كان مؤمناً حين سئل عن دينه فقال: إني مؤمن، والله أعلم.
فأما من أنكر من السلف إطلاق اسم الإيمان، فالموضع الذي يليق به ما قال: أن يقول: أنا مؤمن وأعيش مؤمناً وأموت مؤمناً أو ألقى ربي مؤمناً ولا يستثنى.
وكذلك قال عبد الله، ويقال له: أفي الجنة أنت؟ لأن من مات مؤمناً كان في الجنة، وليس كل من كان مؤمناً ساعة من عمره أو يوماً أو سنة كان في الجنة.
فعلمنا أن عبد الله إذا قال هذا لمن اتكل على إن لم يجد في قلبه إلا حب الإيمان والركون إليه، والنبو عن الكفر والبغض له، فقطع لذلك أنه مؤمن مطلق في عامة أحواله وأوقاته، فلا يعيش إلا مؤمناً ولا يموت إلا مؤمناً ولم يكل أمره إلى الله تعالى بذاك.
وأما قول المؤمن: أنا الآن مؤمن، فليس مما ينكر، وهو نظير قوله إن كان قائماً: أنا قائم، وإن كان قاعداً أنا قاعد.
وليس هذا بالذي ينكر، بل هو الذي لا يجوز غيره والله أعلم.
وأما الذي يصح من هذا ومن الاستثناء فهو أن يكون الخير في المستقبل خاصة فيكون المؤمن أرجو أن يمن الله علي بالتثبت ولا يستثنى هدايته بعد إيمانه.
وحديث علقمة وإبراهيم موضوع في هذا الموضع.