والعدل بين هذه المذاهب أن المؤمن لا ينبغي له أن يمتنع من تسمية نفسه مؤمناً في الحال، لأجل ما يخشاه من سوء العاقبة نعوذ بالله منه.
لأن ذلك وإن وقع وحبط ما تقدم من إيمانه، فليس ينقلب الموجود منه معدوماً من أصله، وإنما يحبط آخره ويبطل ثوابه.
وذلك الذي لا يحبط لا يخلو من أن يكون قبل أن يحبط موجوداً لفقد كان مؤمناً إذا قبل أن يزيد، وإن حبط بالرقة إيمانه فلا معنى لاستثنائه، ولو كان سوء العاقبة وما يخش منه معتبراً في هذا الباب لم يعلم أحد من من الذي خاطبهم الله تعالى باسم الإيمان، فقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ} و (ياأيها المؤمنون) أو يخبر عنهم فيقول: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} أو {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ} ولم يوقف على أنه مراد بخطابه لدحره، لأن كل واحد منهما إذا كان معلقاً باسم الإيمان، وكان اسم الإيمان بين أن يثبت أو يزول مما دام إمكان الأمرين فيه قائماً فلا سبيل إلى القطع بواحد منهما.
وفي تعذر إزالة الحكم أو الخبر المعلق به عن كل فرد من أفراد المؤمنين، فوجب أن يكون القول في الكافر كالقول في المؤمن، ففي هذا إبطال خطاب الله تعالى من أصله، لأنه: إما للمؤمنين وإما للكافرين.
فإذا لم يكن أن يعرف المؤمن ولا الكافر لأن المؤمن يعرض أن يكفر فيحبط ما مضى من إيمانه، ويتبين أنه لم يكن مؤمناً إذ قد حبط إيمانه من أصله.
والكافر يعرض أن يؤمن فيحبط ما مضى من كفره، ويتبين أنه لم يكن كافراً، إذ قد حبط كفره من أصله، فليس في الدنيا مؤمن يعرف بعينه، ولا كافر يعرف بعينه، وتعطيل خطاب الله تعالى بواحده، وما أدى إلى هذا فبين أنه فاسد لأجل القول به.
ويقال لقائل هذا القول: أرأيت من سئل فقيل له: إنسان أنت، هل يجوز أن يقول: لا؟ لأنه يستيقن أنه صائر تراباً، والتراب لا يكون إنساناً! فإن كان المؤمن لا ينبغي أن يسمي نفسه مؤمناً بالإطلاق لأنه يشك في عاقبة أمره، ويخشى أن يصير فيها إلى غير الإيمان، فالإنسان الذي يستيقن أنه صائر تراباً أولى أن لا يطلق اسم الإنسان عليه.
فإن قال: إنه وإن صار غداً تراباً، فلا يخلو اليوم من أن يكون إنساناً.