وقوله تعالى: {لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} فيه محذوف تقديره: يقولون: لا نفرّق بين. كقوله: {وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا} [الأنعام: 93] أي: يقولون: اخرجوا. ومعناه: لا نفعل كما فعل أهل الكتاب، حيث آمنوا ببعض الرسلِ وكفروا ببعضٍ، بل نجمع بين الرسل كلهم في الإيمان بهم.
و (بين) تقتضي شيئين فصاعدًا، وإنما جاز مع أحدٍ، وهو واحد في اللفظ، لأن أَحَدًا يجوز أن يؤدي عن الجميع، قال الله تعالى: {فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} [الحاقة: 47] وفي الحديث:"ما أُحلت الغنائم لأحدٍ سُود الرؤوس غيركم"وإنما كان كذلك، لأن أحدًا ليس كرجلٍ يثنى ويجمع، وقولك: ما يفعلُ هذا أحدٌ، تريد: ما يفعله الناس كلهم، فلما كان لفظ أحدٍ يؤديَ عن الجميع، جازَ أن يُسْتَعْمَل معه (بين) ، وإن كان لا يجوز أن يقول: لا نفرّق بين رجل منهم، وقد استقصينا هذا عند قوله: {عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ} [البقرة: 68] .
والكلام في أحدٍ وأصلهِ ذكرناه عند قوله: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ} [البقرة: 102] .
وقوله تعالى: {وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} أي: سمعنا قوله، وأطعنا أمره، فحذف لأن في الكلام دليلًا عليه من حيث مُدحُوا به.
وقوله تعالى: {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا} أي: اغفر غفرانك، يُستغني بالمصدر عن الفِعْلِ في الدعاء، نحو: سَقْيًا ورعيًا وأشباههما.
قال الفراء: وهو مصدر وقع موقع الأمر فنصب، قال: ومثله: الصلاةَ الصلاة، وجميع الأسماء من المصادر وغيرها إذا نويت الأمر نصبت، وهذا أولى من قول من يقول: معناه: نسألك غفرانك؛ لأنه على الفعل الذي أخِذ منه أدلّ، نحو: حمدًا، وشكرًا، أي: أحمد حمدًا، وأشكر شكرًا.
وقوله تعالى: {وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} نحن مُقِرُّون بالبَعْث. انتهى انتهى {التفسير البسيط. 4/ 526 - 532} .