وقال الشوكاني: وهذا التعليل أيضًا خارج مخرج الغالب، والمعنى: أن هذا العرض هو الذي كان يحملهم على إكراه الإماء على البغاء في الغالب؛ لأن إكراه الرجل لأمته على البغاء لا لفائدة له أصلًا لا يصدر مثله عن العقلاء، فلا يدل هذا التعليل على أنه يجوز له أن يكرهها إذا لم يكن مبتغيًا بإكراهها عرض الحياة الدنيا، وقيل إن هذا التعليل للإكراه هو باعتبار أن عادتهم كانت لا أنه مدار للنهي عن الإكراه لهن وهذا يلاقي المعنى الأول ولا يخالفه {وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ، هذا مقرر لا قبله ومؤكد له والمعنى أن عقوبة الإكراه راجعة إلى المكرهين لا إلى المكرهات (2) ، فظهر بما سبق أن الآية لا تدل على الإباحة وإنما تدل على الحرمة صراحة لا ضمنا وعلى هذا أجمع علماء التفسير، وهذا هو الدليل الأول على تحريم البغاء في الإسلام.
الدليل الثاني: الآيات التي دلت على تحريم الزنا ومنها
1 - {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (32) } (الإسراء: 32) :
يقول تعالى ذكره: وقضى أيضًا أن {تَقْرَبُوا} أيها الناس {الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً} يقول: إن الزنا كان فاحشة {وَسَاءَ سَبِيلًا} ، يقول: وساء طريق الزنا طريقًا؛ لأنه طريق أهل معصية اللَّه والمخالفين أمره فأسوئ به طريقًا يورد صاحبه نار جهنم.
2 -يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ
وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30) (الأحزاب: 30) :
يقول تعالى جل ذكره لأزواج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: {يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ} ، يقول: من يزن منكن الزنى المعروف الذي أوجب اللَّه عليه الحد يضاعف لها العذاب على فجورها في الآخرة ضعفين على فجور أزواج الناس غيرهم.
3 -قوله في وصف عباد الرحمن: يقول تعالى ذكره: وما عند اللَّه للذين آمنوا {وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37) } (الشورى: 37) .