ثم تعلق بكلمة أخرى من الآية وهي قوله تعالى: {لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} حيث فهم أنه إذا لم يبتغ عرض الحياة الدنيا جاز له إكراهها، وجواب ذلك أنه:
لا حجة لهم في قوله تعالى: {لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} ، فإنه كما في إرشاد العقل السليم قيد للإكراه لا باعتبار أنه مدار للنهي عنه، بل باعتبار أنه المعتاد فيما بينهم أيضًا جيء به تشنيعًا لهم فيما هم عليه من احتمال الوزر الكبير لأجل الوزر الحقير، أي: لا تفعلوا ما أنتم عليه من إكراههن على البغاء لطلب المتاع السريع الزوال الوشيك الاضمحلال، فالمراد بالابتغاء الطلب المقارن لنيل المطلوب واستيفائه بالفعل إذ هو الصالح لكونه غاية للإكراه مترتبًا عليه، لا المطلق المتناول للطلب السابق الباعث عليه ولا اختصاص لعرض الحياة الدنيا بكسبهن أعني أجورهن التي يأخذها على الزنا بهن وإن كان ظاهر كثير من الأخبار يقتضي ذلك، بل ما يعمه، وأولادهن من الزنا، وبذلك فسره سعيد بن جبير كما أخرجه عنه ابن أبي حاتم وفي بعض الأخبار ما يشعر بأنهم كانوا يكرهونهن على ذلك للأولاد.
أخرج الطبراني والبزار وابن مردوية بسند صحيح عن ابن عباس أن جارية لعبد اللَّه بن أبي كانت تزني في الجاهلية فولدت له أولادًا من الزنا فلما حرم اللَّه تعالى الزنا، قال لها: ما لك لا تزنين قالت واللَّه لا أزني أبدًا فضربها فأنزل اللَّه تعالى {وَلَا تُكْرِهُوا} الآية، ولا يقتضي هذا
وأمثاله تخصيص العرض بالأولاد كما لا يخفى، وسمعت أن بعض قبائل أعراب العراق كآل عزة يأمرون جواريهم بالزنا للأولاد كفعل الجاهيلة، ولا يستغرب ذلك من الأعراب لا سيما في مثل هذه الأعصار التي عرا فيها كثير من رياض الأحكام الشرعية في كثير من الواضع أعصار، فإنهم أجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل اللَّه ولا حول ولا قوة إلا باللَّه.