وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ"إنَّهُ لَا يَصِحُّ رَجْعَتُهُ حَتَّى يَطَأَهَا فِي الْعِدَّةِ"فَقَوْلٌ شَدِيدُ الِاخْتِلَالِ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ قَالَ: إذَا طَلَّقَهَا طَلَاقًا رَجْعِيًّا ، وَالطَّلَاقُ الرَّجْعِيُّ لَا تَكُونُ الرَّجْعَةُ فِيهِ مَوْقُوفَةً عَلَى مَعْنًى غَيْرِهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ إذَا مَنَعَهُ الرَّجْعَةَ إلَّا بَعْدَ الْوَطْءِ فَقَدْ نَفَى أَنْ يَكُونَ رَجْعِيًّا ، وَهُوَ لَوْ رَاجَعَهَا لَمْ تَكُنْ رَجْعَةً.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ مَحْظُورٌ عَلَيْهِ الْوَطْءُ بَعْدَ الطَّلَاقِ عِنْدَهُ وَلَا تَقَعُ الرَّجْعَةُ فِيهِ بِنَفْسِ الْوَطْءِ ، فَكَيْفَ يُبَاحُ لَهُ وَطْؤُهَا.
وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ"إنَّهُ تَقَعُ تَطْلِيقَةٌ رَجْعِيَّةٌ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ"فَإِنَّهُ قَوْلٌ ظَاهِرُ الْفَسَادِ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا.
وَالثَّانِي: أَنَّ سَائِرَ الْفُرَقِ الْحَادِثَةِ فِي الْأُصُولِ بِغَيْرِ تَصْرِيحٍ فَإِنَّهَا تُوجِبُ الْبَيْنُونَةَ ، مِنْ ذَلِكَ فُرْقَةُ الْعِنِّينِ وَاخْتِيَارُ الْأَمَةِ وَرِدَّةُ الزَّوْجِ وَاخْتِيَارُ الصَّغِيرَيْنِ ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ مِنْهُ تَصْرِيحٌ بِإِيقَاعِ الطَّلَاقِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ بَائِنًا.
وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي إيلَاءِ الذِّمِّيِّ ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا جَمِيعًا: إذَا حَلَفَ بِعِتْقٍ أَوْ طَلَاقٍ أَنْ لَا يَقْرَبَهَا فَهُوَ مُولٍ ، وَإِنَّ حَلَفَ بِصَدَقَةٍ أَوْ حَجٍّ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا ، وَإِنَّ حَلَفَ بِاَللَّهِ كَانَ مُولِيًا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَمْ يَكُنْ مُولِيًا فِي قَوْلِ صَاحِبَيْهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ:"لَا يَكُونُ مُولِيًا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ".