ولقد نسي فتى موسى ما كانا قد أعداه لطعامهما - وهو الحوت - فتسرب فِي البحر عند الصخرة. {فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً. قال: أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت ، وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله فِي البحر عجباً.. قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصاً. فوجدا عبداً من عبادنا...} وكان هذا هو الذي خرج له موسى. ولو لم يقع حادث الحوت ما ارتدا. ولفاتهما ما خرجا لأجله فِي الرحلة كلها!
وكل إنسان - فِي تجاربه الخاصة - يستطيع حين يتأمل أن يجد فِي حياته مكروهات كثيرة كان من ورائها الخير العميم. ولذات كثيرة كان من ورائها الشر العظيم. وكم من مطلوب كاد الإنسان يذهب نفسه حسرات على فوته ؛ ثم تبين له بعد فترة أنه كان إنقاذاً من الله أن فوت عليه هذا المطلوب فِي حينه. وكم من محنة تجرعها الإنسان لاهثاً يكاد يتقطع لفظاعتها. ثم ينظر بعد فترة فإذا هي تنشئ له فِي حياته من الخير ما لم ينشئه الرخاء الطويل.
إن الإنسان لا يعلم. والله وحده يعلم. فماذا على الإنسان لو يستسلم؟
إن هذا هو المنهج التربوي الذي يأخذ القرآن به النفس البشرية. لتؤمن وتسلم وتستسلم فِي أمر الغيب المخبوء ، بعد أن تعمل ما تستطيع فِي محيط السعي المكشوف..
ومن قيادة الجماعة إلى السلم كانت الفتوى التالية فِي أمر القتال فِي الشهر الحرام:
{يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه؟ قل: قتال فيه كبير. وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام ؛ وإخراج أهله منه أكبر عند الله ؛ والفتنة أكبر من القتل ، ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ، ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم فِي الدنيا والآخرة. وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون. إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا فِي سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم} ..