اللطيفة الثانية: فِي تحريم الخمر بهذا الترتيب حكمة بليغة ، وذلك أن القوم ألفوا شرب الخمر ، وأصبحت جزءاً من حياتهم ، فلو حرّمت عليهم دفعة واحدة لشق ذلك على نفوسهم وربما لم يستجيبوا لذلك النهي ، كما تقول السيدة عائشة رضي الله عنها"أول ما نزل من القرآن سورة من المفصّل فيها ذكر الجنة والنار ، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلالُ والحرام ، ولو نزل أول ما نزل: لا تشربوا الخمر لقالوا: لا ندع الخمرة أبداً".
وذلك من الخطة الحكيمة التي انتهجها الإسلام فِي معالجة الأمراض الاجتماعية ، فقد سلك بالناس طريق (التدريج فِي تشريع الأحكام) فبدأ بالتنفير مه بطريق غير مباشر كما فِي الآية الأولى ، ثم بالتنفير المباشر عن طريق المقارنة بين شيئين: شيء فيه نفع ضئيل ، وشيء فيه ضرر وخطر جسيم ، كما فِي الآية الثانية ، ثم بالتحريم الجزئي فِي أوقات الصلاة كما فِي الآية الثالثة ، ثم بالتحريم الكلي فِي جميع الأوقات كما فِي الآية الرابعة ، فللَّه ما أدق هذا التشريع وما أحكمه ؟!
اللطيفة الثالثة: فإن قيل: كيف يكون فِي الخمر منافع ، مع أنها تذهب بالمال والعقل ؟
فالجواب أن المراد بالمنافع فِي الآية (المنافع المادية) التي كانوا يستفيدونها من تجارة الخمر ، يربحون منها الربح الفاحش ، كما يربحون من وراء الميسر ، ومما يدل على أن النفع مادي أن الله تعالى قرنها بالميسر {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر} ولا شك أن النفع فِي الميسر (مادي) بحت حيث يكون الربح لبعض المقامرين فكذلك فِي الخمر .
قال العلامة القرطبي:"أمّا المنافع فِي الخمر فربح التجارة ، فإنهم كانوا يجلبونها من الشام برخص ، فيبيعونها فِي الحجاز بربح ، وكانوا لا يرون المماكسة فيها ، فيشتري طالب الخمر الخمر بالثمن الغالي ، هذا أصح ما قيل فِي منافعها".
ويحتمل أن يراد النفع فِي الخمر تلك اللذة والنشوة المزعومة التي عبرّ عنها الشاعر بقوله: