{وَتَذَرُونَ الآخرة} تعميم الخطاب للكل كأنه قيل بل أنتم يا بني آدم لما خلقتم من عجل وجبلتم عليه تجعلون في كل شيء ولذا تحبون العاجلة وتذرون الآخرة ويتضمن استعجالك لأن عادة بني آدم الاستعجال ومحبة العاجلة وفيه أيضاً أن الإنسان وان كان مجبولاً على ذلك إلا أن مثله عليه الصلاة والسلام ممن هو في أعلى منصب النبوة لا ينبغى أن يستفزه مقتضى الطباع البشرية وأنه إذا نهى صلى الله عليه وسلم عن العجلة في طلب العلم والهدى فهؤلاء ودينهم حب العاجلة وطلب الردى كأنهم نزلوا منزلة من لا ينجع فيهم النهي فإنما يعابت الأديم ذو البشرة ومنه يعلم أن هذا متصل بقوله سبحانه: {بَلْ يُرِيدُ الإنسان لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ} [القيامة: 5] فإنه ملوح إلى معنى بل تحبون الخ وقوله عز وجل {لا تحرك} الخ متوسط بين حبي العاجلة حبها الذي تضمنه بل يريد تلويحاً وحبها الذي آذن به بل تحبون تصريحاً لحسن التخلص منه إلى المفاجأة والتصريح ففي ذلك تدرج ومبالغة في التقريع والتدرج وان كان يحصل لو لم يؤت بقوله سبحانه لا تحرك الخ في البين أيضاً إلا أنه يلزم حينئذ فوات المبالغة في التقريع وانه إذا لم تجز العجلة في القرآن وهو شفاء ورحمة فكيف فيما هو فجور وثبور ويزول ما أشير إليه من الفوائد فهو استطراد يؤدي مؤدى الاعتراض وأبلغ وأطلق بعضهم عليه الاعتراض وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ومجاهد والحسن وقتادة والجحدري يحبون ويذرون بياء الغيبة فيهما وأمر الربط عليها كما تقدم وهي أبلغ من حيث أن فيها التفاتاً وإخراجاً له عليه الصلاة والسلام من صريح الخطاب بحب العاجلة مضمناً طرفاً من التوبيخ على سبيل الرمز لطفاً منه تعالى شأنه في شأنه صلى الله عليه وسلم وأما القراءة بالتاء ففيها تغليب المخاطب والالتفات وهو عكس الأول هذا خلاصة ما رمز إليه جار الله على ما أفيد وقد أندفع به قول بعض الزنادقة وشرذمة من قدماء الرافضة أنه لا وجه لوقوع لا تحرك به