وقال أبو عبيدةَ بن الجراح لعمرَ رضي الله عنه حين كره طواعين الشام ورجع إلى المدينة: أتفرُّ من قدرِ الله؟ قال: نعم، إلى قدرِ الله... فقال له أينفع الحذرُ من القدر؟ فقال: لسنا ممّا هناك في شيءٍ تأمل إنّ الله لا يأمر بما لا ينفع ولا ينهى عما لا يضرُّ ألقِ بالَك وقد قال تعالى: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} ، وقال تعالى: {خُذُواْ حِذْرَكُمْ} ... وفي كتاب كليلة: لا يمنع العاقلَ يقينُه بالقدرِ مِن توقّي المخوفِ، بل ليجمعَ تصديقاً بالقدرِ وأخذاً بالحزمِ، وقال شاعر:
والمَرْءُ تَلْقاهُ مِضْياعاً لفُرْصَتِه ... حتّى إذا فاتَ أمْرٌ عاتَبَ القَدَرَا
وقال آخر:
إذا عُيِّروا قالوا مَقاديرُ قُدِّرَتْ ... وما العارُ إلا ما تَجُرُّ المَقادِرُ
وقال آخر:
وأوَّلُ عَجْزِ القومِ عمَّا ينوبُهُم ... تَدَافُعُهُمْ عنه وطُولُ التَّواكُلِ
وقالوا في المثل: من العجز الإحالةُ على المقادير...
وإليك ما قاله الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني في شرحه على صحيح البخاري، المسمّى فتح الباري تأييداً لهذا الذي قلنا في التوكّل: والمراد بالتوكّل اعتقادُ ما دلّت عليه الآية: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا} ، وليس المراد به تركَ التسبّب، والاعتماد على ما يأتي من المخلوقين، لأنّ ذلك قد يجرّ إلى ضدِّ ما يراد من التوكّل، وقد سُئل أحمد - بن حنبل - عن رجلٍ جلس في بيته أو في المسجد وقال: لا أعمل شيئاً حتى يأتيني رزقي، فقال: هذا رجلٌ جهل العلمَ تأمل فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنَّ اللهَ جعل رزقي تحت ظلِّ رمحي) ،
وقال: (لو توكّلتم على الله حقَّ توكُّله لزرقكم كما تُرزق الطّير تغدو خِماصاً وتروح بِطاناً) ، فذكر أنها تغدو وتروح في طلب الرزق؛ قال: وكان الصحابة يَتَّجرون ويعملون في نخيلهم، والقدوةُ بهم... انتهى.