وقيل: إنه بالحاء فيما يطلبه الإنسان لنفسه ، وبالجيم أن يكون رسولاً لغيره ، قاله ثعلب {وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً} أي: لا يتناول بعضكم بعضاً بظهر الغيب بما يسوءه ، والغيبة: أن تذكر الرجل بما يكرهه ، كما في حديث أبي هريرة الثابت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم ، قال: ذكرك أخاك بما يكره ، فقيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ فقال: إن كان فيه ما تقول ، فقد اغتبته ، وإن لم يكن فيه ، فقد بهته" {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً} مثل سبحانه الغيبة بأكل الميتة ؛ لأن الميت لا يعلم بأكل لحمه ، كما أن الحيّ لا يعلم بغيبة من اغتابه ، ذكر معناه الزجاج.
وفيه إشارة إلى أن عرض الإنسان كلحمه ، وأنه كما يحرم أكل لحمه يحرم الاستطالة في عرضه ، وفي هذا من التنفير عن الغيبة ، والتوبيخ لها ، والتوبيخ لفاعلها ، والتشنيع عليه ما لا يخفى ، فإن لحم الإنسان مما تنفر عن أكله الطباع الإنسانية ، وتستكرهه الجبلة البشرية ، فضلاً عن كونه محرّماً شرعاً {فَكَرِهْتُمُوهُ} قال الفراء: تقديره: فقد كرهتموه فلا تفعلوا ، والمعنى: فكما كرهتم هذا ، فاجتنبوا ذكره بالسوء غائباً.
قال الرّازي: الفاء في تقدير جواب كلام ؛ كأنه قال: لا يحبّ أحدكم أن يأكل لحم أخيه ، فكرهتموه إذن.
وقال أبو البقاء: هو معطوف على محذوف تقديره: عرض عليكم ذلك ، فكرهتموه {واتقوا الله} بترك ما أمركم باجتنابه {إِنَّ الله تَوَّابٌ رَّحِيمٌ} لمن اتقاه ، وتاب عما فرط منه من الذنب ومخالفة الأمر.