وحكى القرطبي عن أكثر العلماء: أن الظنّ القبيح بمن ظاهره الخير لا يجوز ، وأنه لا حرج في الظنّ القبيح بمن ظاهره القبيح ، وجملة: {إِنَّ بَعْضَ الظن إِثْمٌ} : تعليل لما قبلها من الأمر باجتناب كثير من الظنّ ، وهذا البعض هو ظنّ السوء بأهل الخير ، والإثم هو: ما يستحقه الظانّ من العقوبة.
ومما يدل على تقييد هذا الظنّ المأمور باجتنابه بظنّ السوء قوله تعالى: {وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السوء وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً} [الفتح: 12] فلا يدخل في الظنّ المأمور باجتنابه شيء من الظنّ المأمور باتباعه في مسائل الدين ، فإن الله قد تعبد عباده باتباعه ، وأوجب العمل به جمهور أهل العلم ، ولم ينكر ذلك إلاّ بعض طوائف المبتدعة كياداً للدّين ، وشذوذاً عن جمهور المسلمين ، وقد جاء التعبد بالظنّ في كثير من الشريعة المطهرة بل في أكثرها.
ثم لما أمرهم الله سبحانه باجتناب كثير من الظنّ نهاهم عن التجسس فقال: {وَلاَ تَجَسَّسُواْ} التجسس: البحث عما ينكتم عنك من عيوب المسلمين وعوراتهم ، نهاهم الله سبحانه عن البحث عن معايب الناس ومثالبهم.
قرأ الجمهور {تجسسوا} بالجيم ، ومعناه ما ذكرنا.
وقرأ الحسن ، وأبو رجاء ، وابن سيرين بالحاء.
قال الأخفش: ليس يبعد أحدهما من الآخر ؛ لأن التجسس بالجيم: البحث عما يكتم عنك ، والتحسس بالحاء: طلب الأخبار ، والبحث عنها.
وقيل: إن التجسس بالجيم هو البحث ، ومنه قيل: رجل جاسوس: إذا كان يبحث عن الأمور ، وبالحاء: ما أدركه الإنسان ببعض حواسه.