قد كثر في كلام المؤلفين وقد وجهه بعضهم بأنه حمل أن عَلَى لو حمل النظير عَلَى
النظير كما حمل النقيض عَلَى النقيض وهذا ليس ببعيد. قيل وهذا ليس بشيء فالصواب
أن يقال لو مقدرة في مثله ترقيًا من احتمال العدم إلَى الجزم والتقدير وإن لم يحمل
على المعهود فلو حمل عَلَى الأعم لما نحر الخ. وتقدير الشرط غير عزيز انتهى. وحمل
النظير عَلَى النظير أعرف منه. وأجاب صاحب الكَشَّاف بأن بعض الحديبية من الحرم وأن
محصره عَلَيْهِ السَّلَامُ في طرف الحديبية أسفل مكة عَلَى ما في كتب السير والحديبية
متصل بالحرم. نقل عن الواقدي أن الحديبية طرف الحرم والنحر وقع في طرف الشام
من الحرم متصل بطرف الحديبية الذي نزل فيه رسول الله عَلَيْهِ السَّلَامُ جمعًا بين ما قاله
مالك من أن الحديبية خارج عن الحرم وبين ما روى الزهري أن رسول اللَّه عَلَيْهِ السَّلَامُ
نحر هديه في الحرم، وكذا نقل عن الواحدي أنه قال الحديبية طرف الحرم عَلَى تسعة
أميال من مكة فلا قطع في أنها من الحل كما ذهب إليه الشافعي فلا ينتهض حجة
للشافعي عَلَى أن مذبح هدي المحصر حيث أحصر، كَمَا صَرَّحَ به الْمُصَنّف في سورة
البقرة وأن كونه من الحل عند الْجُمْهُور لا يضرنا وأن الْقَوْل ولا يعتد برواية شذ بها
الواقدي، وقد صرح به البخاري في صحيحه بخلافه نقلًا عن الثقات وما روي فيه عن
الزهري مما يثبت ضعيف جدًا لأنه جرح بدون حجة، وقول الأكثرين لم يبلغ مرتبة
التواتر فالكل خبر الآحاد، والْمُتَبَادَر من محله المكان الذي لا يجوز أن ينحر في غيره
بناء عَلَى أن كون الْإضَافَة للاخْتصَاص هُوَ الأصل والْحَقيقَة، كَمَا صَرَّحَ به أئمة الأصول
وبهذه القرينة يتقوى كون النحر في الحرم والله تَعَالَى أعلم.
قوله: (فلا ينتهض حجة للحنفية على أن مذبح هدي المحصر هُوَ الحرم) وهو مجاز
من نهض إذا قام بسرعة الاستقامة فهو أخص من القيام كما يقال قام الدليل وأقامه والعلاقة
الاستقامة، وفيه رد عَلَى الزَّمَخْشَريّ حيث قال إنه دليل لأبي حنيفة عَلَى أن المحصر محل
هديه الحرم وأن بعض الحديبية من الحرم، وقد كانت مضارب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحل
ومصلاه في الحرم. فإن قلت: فإذن قد نحر في الحرم فلم قيل معكوفًا أن يبلغ محله؟ قلت
الْمُرَاد المحل المعهود وهو مِنى انتهى. أشار بقوله المحل المعهود إلَى أن المحل هُوَ الحرم
مُطْلَقًا فلذا نحر رسول الله عَلَيْهِ السَّلَامُ في حرم الحديبية، وما ذكر في النظم الكريم المحل
المعهود فمن غفل عن قيد المعهود وقال وتقرير الزَّمَخْشَريّ فاسد لأنه عليه لا له فقد غفل
وسها سهوًا فاحشًا.
قوله: (لم تعرفوهم بأعيانهم لاختلاطهم بالْمُشْركينَ) فيه تَغْليب كما في النظم.
قوله: (أن توقعوا بهم وتبيدوهم) أي تهلكوهم أي أن [الوطء] هنا كناية عن الإهلاك
بقرينة قوله: (فتصيبكم) الخ. وقيل يعني أن [الوطء] اسْتُعيرَ هنا للبطش
الشديد وهي اسْتعَارَة حسنة واردة في كلامهم قديمًا وحديثًا وجهها ظَاهر، والظَّاهر من تقرير
المص الكناية لأن [الوطء] الشديد يلزمه الإهلاك.