ومن قرأ (حَتَّى إِذَا جَاءَنَا) فعلى الكافر وحده.
(قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ) .
معنى (الْمَشْرِقَيْنِ) ههنا بعد المشرق والمغرب، فلما جعلا اثنين غلب لفظ
المشرق كما قال:
لنا قمراها والنجوم الطوالع
يريد الشمس والقمر، وكما قالوا سنةُ العُمَريْن يراد سنةُ أبي بكر وعمر.
رحمةُ اللَّه عَلَيْهِمَا.
وقوله عزَّ وجلَّ: (وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ(39)
المعنى لَنْ تَنْفَعَكُم الشرِكَةُ في العذاب، قال محمد بن يزيد في جواب
(1) قال السَّمين:
قوله: {وَمَن يَعْشُ} : العامَّة على ضم الشين مِن عشا يعشو أي: يتعامى ويتجاهل. وقتادة ويحيى بن سلام"يَعْشَ"بفتحها بمعنى يَعْمَ. وزيد بن علي"يَعْشو"بإثبات الواو. قال الزمخشري:"على أنّ"مَنْ"موصولة وحَقُّ هذا أن يقرأَ نقيضُ بالرفع". قال الشيخ:"ولا تتعيَّنُ موصوليتُها بل تُخَرَّج على وجهين: إمَّا تقديرِ حذفِ حركةِ حرفِ العِلة، وقد حكاها الأخفش لغةً، وتقدَّم منه في سورةِ يوسفَ شواهدُ، وإمَّا على أنه جزمٌ ب"مَنْ"الموصولة تشبيهاً لها ب"مَنْ"الشرطيةِ". قال:"وإذا كانوا قد جَزَموا ب"الذي"، وليس بشرطٍ قط فأَوْلَى بما اسْتُعْمِلَ شرطاً وغيرَ شرطٍ. وأنشد:"
3993 ولا تَحْفِرَنْ بِئْراً تُريد أخاً بها... فإنّك فيها أنت مِنْ دونِه تقَعْ
كذاكَ الذي يَبْغي على الناسِ ظالماً... يُصِبْه على رَغْمٍ عواقبُ ما صَنَعْ
/قال:"وهو مذهبُ الكوفيين، وله وَجْهٌ من القياسِ: وهو أنَّ"الذي"أَشْبَهَتْ اسمَ الشرطِ في دخولِ الفاءِ في خبرِها، فتُشْبِهُ اسمَ الشرطِ في الجزم أيضاً. إلاَّ أنَّ دخولَ الفاءِ منقاسٌ بشرطِه، وهذا لا ينقاسُ".
ويقال: عَشا يَعْشُو، وعَشِي يَعْشَى. فبعضُهم جعلهما بمعنىً، وبعضُهم فَرَّقَ: بأنَّ عَشِيَ يَعْشَى إذا حَصَلَتْ الآفَةُ من بَصَرَه، وأصلُه الواوُ وإنما قُلِبَتْ ياءً لانكسارِ ما قبلها كرضِيَ يَرْضى وعَشَا يَعْشُو أي: تفاعَل ذلك. ونَظَرَ نَظَرَ العَشِي ولا آفَةَ ببصرِه، كما قالوا: عَرَجَ لمَنْ به آفةُ العَرَجِ، وعَرُجَ لمَنْ تعارَجَ، ومَشَى مِشْيَةَ العُرْجان. قال الشاعر:
3994 أَعْشُو إذا ما جارتي بَرَزَتْ... حتى يُوارِيْ جارتي الخِدْرُ
أي: أنظرُ نَظَرَ الَعَشِي. وقال آخر:
3995 متى تَأْتِه تَعْشُوا إلى ضَوْءِ نارِه... تَجِدْ خيرَ نارٍ عندها خيرُ مُوْقِدِ
أي: تَنْظُرُ نَظَرَ العشِي لضَعْفِ بصرِه مِنْ كثرةِ الوَقودِ. وفَرَّق بعضُهم: بأنَّ عَشَوْتُ إلى النارِ إذا اسْتَدْلَلْتَ عليها بنظرٍ ضعيفٍ وقيل: وقال الفراء:"عَشا يَعْشى يُعْرِض، وعَشِي يَعْشَى عَمِيَ". إلاَّ أنَّ ابن قتيبة قال:"لم نَرَ أحداً حكى عَشَوْتُ عن الشيء: أَعْرَضْتُ عنه، وإنما يقال: تعاشَيْتُ عن كذا إذا تغافَلْتَ عنه وتعامَيْتَ".
وقرأ العامَّةُ"نُقَيِّضْ"بنونِ العظمةِ. وعلي بن أبي طالب والأعمش ويعقوبُ والسلميُّ وأبو عمروٍ وعاصمٌ في روايةٍ عنهما"يُقَيِّضْ"بالياء من تحت أي: يُقَيِّض الرحمنُ. و"شيطاناً"نصبٌ في القراءتين. وابن عباس"يُقَيَّضْ"مبنياً للمفعول،"شيطانٌ"بالرفع، قائمٌ مقامَ الفاعلِ. اهـ (الدُّرُّ المصُون) .