قرأ الجمهور بنصب: {أَوْ يُرْسِلَ} ، وبنصب: {فَيُوحِىَ} على تقدير أن ، وتكون أن ، وما دخلت عليه معطوفين على وحياً ، ووحياً في محلّ الحال ، والتقدير: إلاّ موحياً ، أو مرسلاً ، ولا يصح عطف ، أو يرسل على أن يكلمه لأنه يصير التقدير: وما كان لبشر أن يرسل الله رسولاً ، وهو فاسد لفظاً ، ومعنى.
وقد قيل: في توجيه قراءة الجمهور غير هذا مما لا يخلو عن ضعف.
وقرأ نافع: (أو يرسل) بالرفع ، وكذلك: (فيوحى) بإسكان الياء على أنه خبر مبتدأ محذوف ، والتقدير: أو هو يرسل كما قال الزجاج ، وغيره ، وجملة: {إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} تعليل لما قبلها ، أي: متعال عن صفات النقص ، حكيم في كل أحكامه.
قال المفسرون: سبب نزول هذه الآية: أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ألا تكلم الله ، وتنظر إليه إن كنت نبياً كما كلمه موسى ، فنزلت {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا} أي: وكالوحي الذي أوحينا إلى الأنبياء قبلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ، المراد به: القرآن.
وقيل: النبوّة.
قال مقاتل: يعني: الوحي بأمرنا ، ومعناه: القرآن ، لأنه يهتدى به ، ففيه حياة من موت الكفر.
ثم ذكر سبحانه صفة رسوله قبل أن يوحى إليه ، فقال: {مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الكتاب} أي: أيّ شيء هو ، لأنه صلى الله عليه وسلم كان أمياً لا يقرأ ، ولا يكتب ، وذلك أدخل في الإعجاز ، وأدلّ على صحة نبوّته ، ومعنى: {وَلاَ الإيمان} : أنه كان لا يعرف تفاصيل الشرائع ، ولا يهتدي إلى معالمها ، وخص الإيمان ؛ لأنه رأسها ، وأساسها.
وقيل: أراد بالإيمان هنا: الصلاة.
قال بهذا: جماعة من أهل العلم منهم: إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة ، واحتجّ بقوله تعالى: {وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إيمانكم} [البقرة: 143] يعني: الصلاة ، فسماها إيماناً.